الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤
نَوَاقِضُ التَّيَمُّمِ:
٣٣ - يَنْقُضُ التَّيَمُّمَ مَا يَأْتِي:
أ - كُل مَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ وَالْغُسْل؛ لأَِنَّهُ بَدَلٌ عَنْهُمَا، وَنَاقِضُ الأَْصْل نَاقِضٌ لِخَلَفِهِ، وَانْظُرْ مُصْطَلَحَيْ (وُضُوءٌ وَغُسْلٌ) .
ب - رُؤْيَةُ الْمَاءِ أَوِ الْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَال الْمَاءِ الْكَافِي وَلَوْ مَرَّةً عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ، وَلَوْ لَمْ يَكْفِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَذَلِكَ قَبْل الصَّلاَةِ لاَ فِيهَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ الأَْصْلِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْمَاءَ الْمَشْغُول بِالْحَاجَةِ كَالْمَعْدُومِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ مُرُورَ نَائِمٍ أَوْ نَاعِسٍ مُتَيَمِّمٍ عَلَى مَاءٍ كَافٍ يُبْطِل تَيَمُّمَهُ كَالْمُسْتَيْقِظِ أَمَّا رُؤْيَةُ الْمَاءِ فِي الصَّلاَةِ فَإِنَّهَا تُبْطِل التَّيَمُّمَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ؛ لِبُطْلاَنِ الطَّهَارَةِ بِزَوَال سَبَبِهَا؛ وَلأَِنَّ الأَْصْل إِيقَاعُ الصَّلاَةِ بِالْوُضُوءِ.
وَلاَ تُبْطِلُهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَلاَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسَافِرِ فِي مَحَلٍّ لاَ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ؛ لِوُجُودِ الإِْذْنِ بِالدُّخُول فِي الصَّلاَةِ بِالتَّيَمُّمِ، وَالأَْصْل بَقَاؤُهُ؛ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (١) وَقَدْ كَانَ عَمَلُهُ سَلِيمًا قَبْل رُؤْيَةِ الْمَاءِ وَالأَْصْل بَقَاؤُهُ، وَقِيَاسًا عَلَى رُؤْيَةِ الْمَاءِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الصَّلاَةِ.
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِصَلاَةِ الْمُقِيمِ بِالتَّيَمُّمِ فَإِنَّهَا تَبْطُل
_________
(١) سورة محمد / ٣٣
عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِذَا رَأَى الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ وَتَلْزَمُهُ الإِْعَادَةُ لِوُجُودِ الْمَاءِ، لَكِنْ لَيْسَ مُطْلَقًا، بَل قَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ فِي مَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ الْمَاءُ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْمُقِيمُ فِي مَحَلٍّ لاَ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ فَلاَ إِعَادَةَ عَلَيْهِ، وَحُكْمُهُ حِينَئِذٍ حُكْمُ الْمُسَافِرِ.
وَأَمَّا إِذَا رَأَى الْمَاءَ بَعْدَ انْتِهَاءِ الصَّلاَةِ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الصَّلاَةِ فَلاَ يُعِيدُهَا الْمُسَافِرُ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ لَمْ يُعِدْهَا بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ أَيْضًا بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسَافِرِ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ الْمُقِيمَ فِي مَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ إِذَا تَيَمَّمَ لِفَقْدِ الْمَاءِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ صَلاَتَهُ لِنُدُورِ الْفَقْدِ وَعَدَمِ دَوَامِهِ وَفِي قَوْلٍ: لاَ يَقْضِي وَاخْتَارَهُ النَّوَوِيُّ؛ لأَِنَّهُ أَتَى بِالْمَقْدُورِ، وَفِي قَوْلٍ: لاَ تَلْزَمُهُ الصَّلاَةُ فِي الْحَال بَل يَصْبِرُ حَتَّى يَجِدَهُ فِي الْوَقْتِ، بِخِلاَفِ الْمُسَافِرِ فَإِنَّهُ لاَ يُعِيدُ إِلاَّ إِذَا كَانَ فِي مَحَلٍّ يَغْلِبُ فِيهِ وُجُودُ الْمَاءِ كَمَا سَبَقَ.
ج - زَوَال الْعُذْرِ الْمُبِيحِ لَهُ، كَذَهَابِ الْعَدُوِّ وَالْمَرَضِ وَالْبَرْدِ؛ لأَِنَّ مَا جَازَ بِعُذْرٍ بَطَل بِزَوَالِهِ.
د - خُرُوجُ الْوَقْتِ: فَإِنَّهُ يُبْطِل التَّيَمُّمَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ سَوَاءٌ أَكَانَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ أَمْ لاَ، وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ تَبْطُل صَلاَتُهُ؛ لأَِنَّهَا طَهَارَةٌ انْتَهَتْ بِانْتِهَاءِ وَقْتِهَا، كَمَا لَوِ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمَسْحِ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ.
هـ - الرِّدَّةُ: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الرِّدَّةَ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ - لاَ تُبْطِل التَّيَمُّمَ فَيُصَلِّي بِهِ
إِذَا أَسْلَمَ؛ لأَِنَّ الْحَاصِل بِالتَّيَمُّمِ الطَّهَارَةُ، وَالْكُفْرُ لاَ يُنَافِيهَا كَالْوُضُوءِ؛ وَلأَِنَّ الرِّدَّةَ تُبْطِل ثَوَابَ الْعَمَل لاَ زَوَال الْحَدَثِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الرِّدَّةَ تُبْطِل التَّيَمُّمَ لِضَعْفِهِ بِخِلاَفِ الْوُضُوءِ لِقُوَّتِهِ.
والْفَصْل الطَّوِيل: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْفَصْل الطَّوِيل بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالصَّلاَةِ لاَ يُبْطِلُهُ، وَالْمُوَالاَةُ لَيْسَتْ وَاجِبَةً بَيْنَهُمَا. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْفَصْل الطَّوِيل بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَالصَّلاَةِ يُبْطِلُهُ لاِشْتِرَاطِهِمِ الْمُوَالاَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلاَةِ.
وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ لِلرَّجُل أَنْ يُصِيبَ زَوْجَتَهُ إِذَا كَانَ عَادِمًا لِلْمَاءِ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قُلْت يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي أَعْزُبُ عَنِ الْمَاءِ وَمَعِي أَهْلِي فَتُصِيبُنِي الْجَنَابَةُ فَأُصَلِّي بِغَيْرِ طَهُورٍ فَقَال ﷺ: الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَهِيَ رِوَايَةٌ لِلْحَنَابِلَةِ إِلَى كَرَاهَةِ نَقْضِ الْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْل لِمَنْ هُوَ فَاقِدٌ الْمَاءَ إِلاَّ لِضَرَرٍ يُصِيبُ الْمُتَوَضِّئَ مِنْ حَقْنٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ لِضَرَرٍ يُصِيبُ تَارِكَ الْجِمَاعِ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ ضَرَرٌ فَلاَ كَرَاهَةَ حِينَئِذٍ (٢) .
_________
(١) حديث: " الصعيد الطيب وضوء المسلم ". تقدم تخريجه ف / ٢٢.
(٢) ابن عابدين ١ / ١٦٩ وما بعدها، ومراقي الفلاح ص٢١، واللباب ١ / ٣٧ وما بعدها، والبدائع ١ / ٥٦، والشرح الكبير بحاشية الدسوقي ١ / ١٥٦ - ١٥٨، والشرح الصغير بحاشية الصاوي ١ / ١٥٨، ومغني المحتاج ١ / ١٠١، وكفاية الأخيار ١ / ١١٦ وما بعدها، والمهذب ١ / ٣٦، والمغني ١ / ٢٦٨ وما بعدها، وكشاف القناع ١ / ١٧٧ - ١٧٨، وغاية المنتهى ١ / ٦٣ وما بعدها.
تَيَمُّمُ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ وَمَرَضِهِ:
٣٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَقَوْل بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ) إِلَى جَوَازِ تَيَمُّمِ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ أَوْ مَرَضِهِ؛ لأَِنَّهُ مِنْ أَهْل الرُّخْصَةِ كَغَيْرِهِ، وَالأَْدِلَّةُ عَامَّةٌ تَشْمَل الطَّائِعَ وَالْعَاصِيَ وَلَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا؛ وَلأَِنَّ الْعَاصِيَ قَدْ أَتَى بِمَا أُمِرَ بِهِ فَخَرَجَ مِنْ عُهْدَتِهِ، وَإِنَّ الْقُبْحَ الْمُجَاوِرَ لاَ يُعْدِمُ الْمَشْرُوعِيَّةَ.
هَذَا عَلَى الْقَوْل بِأَنَّهُ رُخْصَةٌ، أَمَّا إِذَا قُلْنَا: إِنَّ التَّيَمُّمَ عَزِيمَةٌ فَحِينَئِذٍ لاَ يَجُوزُ تَرْكُهُ عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّ الْعَاصِيَ بِسَفَرِهِ، وَمَنْ سَافَرَ لِيُتْعِبَ نَفْسَهُ أَوْ دَابَّتَهُ عَبَثًا يَلْزَمُهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالتَّيَمُّمِ وَيَقْضِيَ؛ لأَِنَّهُ مِنْ أَهْل الرُّخْصَةِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا إِلَى أَنَّ الْعَاصِيَ بِمَرَضِهِ لَيْسَ مِنْ أَهْل الرُّخْصَةِ، فَإِنْ عَصَى بِمَرَضِهِ لَمْ يَصِحَّ تَيَمُّمُهُ حَتَّى يَتُوبَ (١) .
_________
(١) ابن عابدين ١ / ٥٢٧، والبناية ٢ / ٧٧٨، وتبيين الحقائق ١ / ٢١٥ - ٢١٦، والطحطاوي على مراقي الفلاح ص٢٢٨ - ٢٢٩، والدسوقي ١ / ١٤٨، والشرح الصغير ١ / ١٤٠، ومغني المحتاج ١ / ١٠٦، والمغني ١ / ٢٣٤ - ٢٣٥، وكشاف القناع ١ / ١٦٠ - ١٦١، والأشباه والنظائر للسيوطي ١٣٨.
التَّيَمُّمُ بَدَلٌ عَنِ الْمَاءِ:
٣٥ - ذَهَبَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ (١) إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ يَنُوبُ عَنِ الْوُضُوءِ مِنِ الْحَدَثِ الأَْصْغَرِ، وَعَن الْغُسْل مِنَ الْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ فَيَصِحُّ بِهِ مَا يَصِحُّ بِهِمَا مِنْ صَلاَةِ فَرْضٍ أَوْ سُنَّةٍ وَطَوَافٍ وَقِرَاءَةٍ لِلْجُنُبِ وَمَسِّ مُصْحَفٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُعْلَمُ مِنْ مُصْطَلَحَيْ (وُضُوءٌ وَغُسْلٌ) .
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي مَرْجِعِ الضَّمِيرِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (٢) بِنَاءً عَلَى اخْتِلاَفِهِمْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمِ النِّسَاءَ﴾ (٣) فَمَنْ ذَهَبَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُلاَمَسَةَ هِيَ الْجِمَاعُ. قَال: إِنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى الْمُحْدِثِ مُطْلَقًا، سَوَاءٌ أَكَانَ الْحَدَثُ أَصْغَر أَمْ أَكْبَر أَمَّا مَنْ ذَهَبَ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ الْمُلاَمَسَةَ بِمَعْنَى اللَّمْسِ بِالْيَدِ قَال: إِنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلَى الْمُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَر فَقَطْ، وَبِذَلِكَ تَكُونُ مَشْرُوعِيَّةُ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ ثَابِتَةً بِالسُّنَّةِ. كَحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَال: كُنَّا مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ. فَقَال: مَا مَنَعَك أَنْ تُصَلِّيَ؟ قَال: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ.
_________
(١) ابن عابدين ١ / ١٥٢، ١٥٩، والبدائع ١ / ٤٤ - ٤٥، ونيل الأوطار ١ / ٣٢٣، وبداية المجتهد ١ / ٦١، ومغني المحتاج ١ / ٨٧، وكشاف القناع ١ / ١٦٠.
(٢) سورة المائدة / ٦.
(٣) سورة المائدة / ٦.
وَلاَ مَاءَ. قَال: عَلَيْك بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيك (١) .
وَكَحَدِيثِ جَابِرٍ قَال: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ، فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ ثُمَّ احْتَلَمَ، فَسَأَل أَصْحَابَهُ، هَل تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَك رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ، فَاغْتَسَل فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ أُخْبِرَ بِذَلِكَ، فَقَال: قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلاَ سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَال، إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ، أَوْ يَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهِ، وَيَغْسِل سَائِرَ جَسَدِهِ (٢) .
فَيَدُل هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِ الْعُدُول عَنِ الْغُسْل إِلَى التَّيَمُّمِ إِذَا خَافَ الضَّرَرَ. وَمِثْل حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَنَّهُ لَمَّا بُعِثَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلاَسِل قَال: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ، فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ، فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي صَلاَةَ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَال: يَا عَمْرُو، صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ
_________
(١) حديث: " عليك بالصعيد فإنه يكفيك ". أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٤٥٧ - ط السلفية) .
(٢) حديث: " قتلوه قتلهم الله ". أخرجه أبو داود (١ / ٢٤٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وقال ابن حجر: صححه ابن السكن (التلخيص الحبير ١ / ١٤٧ - ط شركة الطباعة الفنية) .
وَأَنْتَ جُنُبٌ، فَقُلْت: ذَكَرْتُ قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (١) فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ، فَضَحِكَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقُل شَيْئًا (٢) . فَيَدُل هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ (٣) .
نَوْعُ بَدَلِيَّةِ التَّيَمُّمِ عَنِ الْمَاءِ:
٣٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نَوْعِ الْبَدَل هَل هُوَ بَدَلٌ ضَرُورِيٌّ أَوْ بَدَلٌ مُطْلَقٌ؟
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ ضَرُورِيٌّ وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْحَدَثَ لاَ يَرْتَفِعُ بِالتَّيَمُّمِ، فَيُبَاحُ لِلْمُتَيَمِّمِ الصَّلاَةُ مَعَ قِيَامِ الْحَدَثِ حَقِيقَةً لِلضَّرُورَةِ، كَطَهَارَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ: فَإِذَا وَجَدْت الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَك فَإِنَّهُ خَيْرٌ لَك (٤) . وَلَوْ رَفَعَ التَّيَمُّمُ الْحَدَثَ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى الْمَاءِ إِذَا وَجَدَهُ، وَإِذَا رَأَى الْمَاءَ عَادَ الْحَدَثُ، مِمَّا يَدُل عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ لَمْ يَرْتَفِعْ، وَأُبِيحَتْ لَهُ الصَّلاَةُ لِلضَّرُورَةِ.
إِلاَّ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ أَجَازُوا بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ صَلاَةَ مَا عَلَيْهِ مِنْ فَوَائِتَ فِي الْوَقْتِ إِنْ كَانَتْ عَلَيْهِ خِلاَفًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ.
_________
(١) سورة النساء / ٢٩.
(٢) حديث: " يا عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب " تقدم تخريجه ف / ٩.
(٣) ابن عابدين ١ / ١٥٦، والزرقاني ١ / ١١٥.
(٤) حديث: " فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك ". تقدم تخريجه ف / ٩.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ مُطْلَقٌ، وَلَيْسَ بِبَدَلٍ ضَرُورِيٍّ، فَالْحَدَثُ يَرْتَفِعُ بِالتَّيَمُّمِ إِلَى وَقْتِ وُجُودِ الْمَاءِ فِي حَقِّ الصَّلاَةِ الْمُؤَدَّاةِ لِقَوْلِهِ ﷺ التَّيَمُّمُ وُضُوءُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ إِلَى عَشْرِ حِجَجٍ مَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ أَوْ يُحْدِثْ (١) .
أَطْلَقَ النَّبِيُّ ﷺ الْوُضُوءَ عَلَى التَّيَمُّمِ وَسَمَّاهُ بِهِ. وَالْوُضُوءُ مُزِيلٌ لِلْحَدَثِ فَكَذَا التَّيَمُّمُ؛ وَلِقَوْلِهِ ﷺ: جُعِلَتْ لِي الأَْرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا (٢) وَالطَّهُورُ اسْمٌ لِلْمُطَهِّرِ، وَالْحَدِيثُ يَدُل عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ يَزُول بِالتَّيَمُّمِ إِلَى حِينِ وُجُودِ الْمَاءِ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ عَادَ حُكْمُ الْحَدِيثِ (٣) .
ثَمَرَةُ هَذَا الْخِلاَفِ:
٣٧ - يَتَرَتَّبُ عَلَى خِلاَفِ الْفُقَهَاءِ فِي نَوْعِ بَدَلِيَّةِ التَّيَمُّمِ مَا يَلِي:
أ - وَقْتُ التَّيَمُّمِ:
ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ التَّيَمُّمِ إِلاَّ بَعْدَ دُخُول وَقْتِ مَا يَتَيَمَّمُ لَهُ مِنْ فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ لَهُ وَقْتٌ مَخْصُوصٌ.
_________
(١) حديث: " الصعيد الطيب وضوء المسلم ". تقدم تخريجه ف / ٢٢.
(٢) حديث: " جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا ". تقدم تخريجه ف / ٢.
(٣) تبيين الحقائق ١ / ٤٢، والبدائع ١ / ٤٦ وما بعدها، والدسوقي ١ / ١٥٤، ومغني المحتاج ١ / ٩٧، كشاف القناع ١ / ١٧٤، وابن عابدين ١ / ١٦١.
وَاسْتَدَلُّوا لِلْفَرْضِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ﴾ (١) وَالْقِيَامُ إِلَى الصَّلاَةِ بَعْدَ دُخُول الْوَقْتِ لاَ قَبْلَهُ. كَمَا اسْتَدَلُّوا لِلنَّفْل بِقَوْلِهِ ﷺ: جُعِلَتِ الأَْرْضُ كُلُّهَا لِي وَلأُِمَّتِي مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْ رَجُلًا مِنْ أُمَّتِي الصَّلاَةُ فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وَعِنْدَهُ طَهُورُهُ (٢) .
وَإِنَّمَا جَازَ قَبْل الْوَقْتِ لِكَوْنِهِ رَافِعًا لِلْحَدَثِ بِخِلاَفِ التَّيَمُّمِ، فَإِنَّهُ طَهَارَةٌ ضَرُورِيَّةٌ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ قَبْل الْوَقْتِ.
أَمَّا صَلاَةُ الْجِنَازَةِ أَوِ النَّفْل الَّذِي لاَ وَقْتَ لَهُ، أَوِ الْفَوَائِتِ الَّتِي أَرَادَ قَضَاءَهَا، فَإِنَّهُ لاَ وَقْتَ لِهَذَا التَّيَمُّمِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي وَقْتٍ مَنْهِيٍّ عَنِ الصَّلاَةِ فِيهِ شَرْعًا.
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ قَبْل الْوَقْتِ وَلأَِكْثَرَ مِنْ فَرْضٍ وَلِغَيْرِ الْفَرْضِ أَيْضًا لأَِنَّ التَّيَمُّمَ يَرْتَفِعُ بِهِ الْحَدَثُ إِلَى وُجُودِ الْمَاءِ، وَلَيْسَ بِمُبِيحٍ فَقَطْ، وَقَاسُوا ذَلِكَ عَلَى الْوُضُوءِ؛ وَلأَِنَّ التَّوْقِيتَ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ، وَلاَ دَلِيل فِيهِ (٣) .
_________
(١) سورة المائدة / ٦.
(٢) حديث: " جعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجدًا وطهورًا "، أخرجه أحمد (٥ / ٢٤٨ - ط الميمنية) وعزاه ابن حجر إلى كتاب الثقفيات (التلخيص ١ / ١٤٩ - ط شركة الطباعة الفنية) وصحح إسناده.
(٣) البدائع ١ / ٥٤، وتبيين الحقائق ١ / ٤٢، وابن عابدين ١ / ١٦١، والقوانين الفقهية ص٣٧، ومغني المحتاج ١ / ١٠٥، وكشاف القناع ١ / ١٦١.
تَأْخِيرُ الصَّلاَةِ بِالتَّيَمُّمِ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ:
٣٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى أَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلاَةِ بِالتَّيَمُّمِ لآِخِرِ الْوَقْتِ أَفْضَل مِنْ تَقْدِيمِهِ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو الْمَاءَ آخِرَ الْوَقْتِ، أَمَّا إِذَا يَئِسَ مِنْ وُجُودِهِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَقْدِيمُهُ أَوَّل الْوَقْتِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَبِي الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ) .
وَقَيَّدَ الْحَنَفِيَّةُ أَفْضَلِيَّةَ التَّأْخِيرِ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ أَنْ لاَ يَخْرُجَ وَقْتُ الْفَضِيلَةِ لاَ مُطْلَقًا، حَتَّى لاَ يَقَعَ الْمُصَلِّي فِي كَرَاهَةِ الصَّلاَةِ بَعْدَ وَقْتِ الْفَضِيلَةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي صَلاَةِ الْمَغْرِبِ هَل يُؤَخَّرُ أَمْ لاَ؟ ذَهَبَ إِلَى كُلٍّ فَرِيقٌ مِنَ الحَنَفِيَّةِ.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ فَصَّلُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَالُوا: اسْتِحْبَابُ التَّأْخِيرِ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو وُجُودَ الْمَاءِ ظَنًّا أَوْ يَقِينًا، أَمَّا إِذَا كَانَ مُتَرَدِّدًا أَوْ رَاجِيًا لَهُ فَيَتَوَسَّطُ فِي فِعْل الصَّلاَةِ.
وَالْقَوْل بِاسْتِحْبَابِ التَّأْخِيرِ هُوَ قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي الْمَذْهَبِ؛ لأَِنَّ مُرِيدَ الصَّلاَةِ حِينَ حَلَّتِ الصَّلاَةُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ لَهَا غَيْرُ وَاجِدٍ لِلْمَاءِ فَدَخَل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (١) .
فَكَانَ مُقْتَضَى الأَْمْرِ وُجُوبَ التَّيَمُّمِ أَوَّل الْوَقْتِ لَكِنَّهُ أَخَّرَ نَظَرًا لِرَجَائِهِ، فَجَعَل لَهُ حَالَةً وُسْطَى وَهِيَ الاِسْتِحْبَابُ.
_________
(١) سورة المائدة / ٦.