الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤ الصفحة 19

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٤

أَمَّا إِذَا كَانَ مَشْهُورًا بِالْفَسَادِ فَيَكْفِي فِيهِ عِلْمُ الْقَاضِي (١) .

التَّحْلِيفُ لِلتُّهْمَةِ:

١٥ - يَحْلِفُ الْمُودَعُ، وَالْوَكِيل، وَالْمُضَارِبُ، وَكُل مَنْ يُصَدَّقُ قَوْلُهُ عَلَى تَلَفِ مَا اُؤْتُمِنَ عَلَيْهِ، إِذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى خِيَانَتِهِ، كَخَفَاءِ سَبَبِ التَّلَفِ وَنَحْوِهِ.

وَلِلتَّفْصِيل يُرْجَعُ إِلَى الأَْبْوَابِ الْمَذْكُورَةِ.

_________

(١) ابن عابدين ٣ / ١٨٨ - ١٩٥، والطرق الحكمية لابن القيم ص١٠٣ - مطبعة الآداب والمؤيد ١٣١٧هـ، مواهب الجليل ٥ / ٢٧٥.

تَهْنِئَةٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّهْنِئَةُ فِي اللُّغَةِ خِلاَفُ التَّعْزِيَةِ، يُقَال: هَنَّأَهُ بِالأَْمْرِ وَالْوِلاَيَةِ تَهْنِئَةً وَتَهْنِيئًا إِذَا قَال لَهُ: لِيَهْنِئَك وَلِيَهْنِيكَ، أَوْ هَنِيئًا، وَيُقَال: هَنَّأَهُ تَهْنِئَةً وَتَهْنِيًا. وَالْهَنِيءُ وَالْمَهْنَأُ: مَا أَتَاك بِلاَ مَشَقَّةٍ وَلاَ تَنْغِيصٍ وَلاَ كَدَرٍ.

وَالْهَنِيءُ مِنَ الطَّعَامِ: السَّائِغُ، وَاسْتَهْنَأْتُ الطَّعَامَ اسْتَمْرَأْتُهُ (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: لاَ تَخْرُجُ التَّهْنِئَةُ - فِي الْجُمْلَةِ - عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ، لَكِنَّهَا فِي مَوَاطِنِهَا قَدْ تَكُونُ لَهَا مَعَانٍ أَخَصُّ كَالتَّبْرِيكِ، وَالتَّبْشِيرِ، وَالتَّرْفِئَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَرِدُ ذِكْرُهُ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - التَّبْرِيكُ:

٢ - التَّبْرِيكُ فِي اللُّغَةِ مَصْدَرُ بَرَّكَ، يُقَال: بَرَّكْتُ عَلَيْهِ تَبْرِيكًا أَيْ قُلْت لَهُ: بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْك، وَبَارَكَ اللَّهُ الشَّيْءَ وَبَارَكَ فِيهِ وَعَلَيْهِ: وَضَعَ فِيهِ

_________

(١) لسان العرب والقاموس المحيط ومعجم مقاييس اللغة ٦ / ٦٨.

الْبَرَكَةَ، وَيَكُونُ مَعْنَى التَّبْرِيكِ عَلَى هَذَا: الدُّعَاءَ لِلإِْنْسَانِ أَوْ غَيْرِهِ بِالْبَرَكَةِ، وَهِيَ النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ وَالسَّعَادَةُ (١) .

وَالتَّبْرِيكُ فِي الاِصْطِلاَحِ: الدُّعَاءُ بِالْبَرَكَةِ وَهِيَ الْخَيْرُ الإِْلَهِيُّ الَّذِي يَصْدُرُ مِنْ حَيْثُ لاَ يُحِسُّ، وَعَلَى وَجْهٍ لاَ يُحْصَى وَلاَ يُحْصَرُ، وَلِذَا قِيل لِكُل مَا يُشَاهَدُ مِنْهُ زِيَادَةٌ غَيْرُ مَحْسُوسَةٍ: هُوَ مُبَارَكٌ، وَفِيهِ بَرَكَةٌ، وَإِلَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ أُشِيرُ بِمَا رُوِيَ أَنَّهُ مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ (٢) .

ب - التَّبْشِيرُ:

٣ - وَهُوَ مَصْدَرُ بَشَّرَ، وَمَعْنَاهُ لُغَةً: الإِْخْبَارُ بِالْخَيْرِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَل فِي الإِْخْبَارِ بِالشَّرِّ إِذَا قُيِّدَ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣)، وَالاِسْمُ: الْبِشَارَةُ، وَالْبِشَارَةُ - بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ - وَالْبِشَارَةُ إِذَا أُطْلِقَتِ اخْتُصَّتْ بِالْخَيْرِ. وَالْبِشَارَةُ - بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ - أَيْضًا: مَا يُعْطَاهُ الْمُبَشِّرُ بِالأَْمْرِ (٤) .

وَالتَّبْشِيرُ فِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ،

_________

(١) لسان العرب والقاموس المحيط.

(٢) المفردات في غريب القرآن ص٤٤. وحديث أنه " ما نقصت صدقة من مال "، أخرجه مسلم (٤ / ٢٠٠١ ط عيسى الحلبي) .

(٣) سورة آل عمران / ٢١.

(٤) لسان العرب والمصباح المنير مادة: " بشر ".

وَخَصَّ بَعْضُهُمُ الْبِشَارَةَ بِأَنَّهَا الْخَبَرُ الَّذِي لاَ يَكُونُ عِنْدَ الْمُبَشَّرِ عِلْمٌ بِهِ: فَقَدْ عَرَّفَهَا الْعَسْكَرِيُّ بِأَنَّهَا: أَوَّل مَا يَصِل إِلَيْك مِنَ الْخَبَرِ السَّارِّ فَإِذَا وَصَل إِلَيْك ثَانِيًا لَمْ يُسَمَّ بِشَارَةً، وَأَضَافَ: وَلِهَذَا قَال الْفُقَهَاءُ: إِنَّ مَنْ قَال مَنْ بَشَّرَنِي مِنْ عَبِيدِي بِمَوْلُودٍ فَهُوَ حُرٌّ أَنَّهُ يُعْتَقُ أَوَّل مَنْ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ.

وَوُجُودُ الْمُبَشَّرِ بِهِ وَقْتَ الْبِشَارَةِ لَيْسَ بِلاَزِمٍ (١) بِدَلِيل قَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقِ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٢) وَتَفْصِيل أَحْكَامِ التَّبْشِيرِ تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ: (بِشَارَةٌ) ج ٨ ص ٩٣

ج - التَّرْفِئَةُ:

٤ - مَصْدَرُ رَفَأَ، يُقَال: رَفَّاهُ تَرْفِئَةً وَتَرْفِيًا، وَرَفَّأَهُ تَرْفِئَةً وَتَرْفِيئًا أَيْ دَعَا لَهُ وَقَال: بِالرِّفَاءِ وَالْبَنِينَ، أَيْ: بِالاِلْتِئَامِ وَجَمْعِ الشَّمْل؛ لأَِنَّ أَصْل الرَّفْءِ الاِجْتِمَاعُ وَالتَّلاَؤُمُ، وَمِنْهُ رَفَأَ أَيْ تَزَوَّجَ (٣) .

وَعَلَى هَذَا تَكُونُ التَّرْفِئَةُ فِي اللُّغَةِ: التَّهْنِئَةَ بِالنِّكَاحِ.

وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَاهَا فِي الاِصْطِلاَحِ عَنِ الْمَعْنَى فِي اللُّغَةِ.

وَالتَّرْفِئَةُ أَخَصُّ مِنَ التَّهْنِئَةِ؛ لأَِنَّ التَّرْفِئَةَ هِيَ

_________

(١) التعريفات ص٣٩، ٤٤، والمفردات في غريب القرآن ص٤٨، والكليات ١ / ٤١٣، والفروق في اللغة ص٢٥٩.

(٢) سورة الصافات / ١١٢.

(٣) القاموس المحيط ولسان العرب.

التَّهْنِئَةُ بِالنِّكَاحِ خَاصَّةً، أَمَّا التَّهْنِئَةُ فَتَكُونُ بِالنِّكَاحِ أَوْ بِغَيْرِهِ

. الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٥ - التَّهْنِئَةُ مُسْتَحَبَّةٌ فِي الْجُمْلَةِ؛ لأَِنَّهَا مُشَارَكَةٌ بِالتَّبْرِيكِ وَالدُّعَاءِ - مِنِ الْمُسْلِمِ لأَِخِيهِ الْمُسْلِمِ فِيمَا يَسُرُّهُ وَيُرْضِيهِ؛ وَلِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّوَادِّ، وَالتَّرَاحُمِ، وَالتَّعَاطُفِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ تَهْنِئَةُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا يَنَالُونَ مِنْ نَعِيمٍ، وَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١) .

وَالتَّهْنِئَةُ تَكُونُ بِكُل مَا يُسِرُّ وَيُسْعِدُ مِمَّا يُوَافِقُ شَرْعَ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ ذَلِكَ: التَّهْنِئَةُ بِالنِّكَاحِ، وَالتَّهْنِئَةُ بِالْمَوْلُودِ، وَالتَّهْنِئَةُ بِالْعِيدِ وَالأَْعْوَامِ وَالأَْشْهُرِ، وَالتَّهْنِئَةُ بِالْقُدُومِ مِنَ السَّفَرِ، وَالتَّهْنِئَةُ بِالْقُدُومِ مِنَ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ، وَالتَّهْنِئَةُ بِالطَّعَامِ، وَالتَّهْنِئَةُ بِالْفَرَجِ بَعْدَ الشِّدَّةِ.

أَوَّلًا: التَّهْنِئَةُ بِالنِّكَاحِ:

٦ - وَهِيَ الدُّعَاءُ لِلزَّوْجِ أَوْ لِلزَّوْجَةِ أَوْ لَهُمَا بِالْبَرَكَةِ وَالاِلْتِئَامِ وَجَمْعِ الشَّمْل وَالذُّرِّيَّةِ الطَّيِّبَةِ.

وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّهْنِئَةِ بِالنِّكَاحِ: أَيِ الدُّعَاءِ لِلزَّوْجِ أَوْ لِلزَّوْجَةِ أَوْ لَهُمَا بِالسُّرُورِ وَعَدَمِ الْكَدَرِ (٢) . لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ

_________

(١) سورة الطور / ١٩

(٢) مواهب الجليل ٣ / ٤٠٨، ونهاية المحتاج ٦ / ٢٠٣، والمغني لابن قدامة ٦ / ٥٣٩

رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ أَثَرَ صُفْرَةٍ فَقَال: مَا هَذَا؟ قَال: إِنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَال ﷺ: بَارَكَ اللَّهُ لَك، أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ (١) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِمَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ ﷺ قَال لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ حِينَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ تَزَوَّجَ: بَارَكَ اللَّهُ عَلَيْك (٢) .

وَاسْتِحْبَابُ التَّهْنِئَةِ ثَابِتٌ فِي حَقِّ مَنْ حَضَرَ النِّكَاحَ سَوَاءٌ الْوَلِيُّ أَوْ غَيْرُهُ، وَيَنْبَغِي ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَحْضُرْ إِذَا لَقِيَ الزَّوْجَ.

وَتَكُونُ التَّهْنِئَةُ عَقِبَ عَقْدِ النِّكَاحِ وَالدُّخُول، وَيَطُول وَقْتُهَا بِطُول الزَّمَنِ عُرْفًا وَذَلِكَ لِمَنْ حَضَرَ الْعَقْدَ أَوِ الدُّخُول، أَمَّا مَنْ لَمْ يَحْضُرْ فَتُسْتَحَبُّ لَهُ التَّهْنِئَةُ إِذَا لَقِيَ الزَّوْجَ مَا لَمْ تَطُل الْمُدَّةُ فِي عُرْفِ النَّاسِ (٣) .

صِيغَةُ التَّهْنِئَةِ بِالنِّكَاحِ:

٧ - وَلَفْظُ تَهْنِئَةِ الزَّوْجِ بِالنِّكَاحِ: بَارَكَ اللَّهُ لَك، وَبَارَكَ عَلَيْك، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ لِمَا وَرَدَ فِي

_________

(١) حديث: " بارك الله لك، أولم ولو بشاة ". أخرجه البخاري (١١ / ١٩٠ ط السلفية)، ومسلم (٢ / ١٠٤٢ ط عيسى الحلبي) وهو من حديث أنس

(٢) حديث " بارك الله عليك ". أخرجه البخاري (١١ / ١٩٠ ط السلفية)، ومسلم (٢ / ١٠٨٨ ط عيسى الحلبي)، واللفظ للبخاري وهو من حديث جابر

(٣) مواهب الجليل ٣ / ٤٠٨، ونهاية المحتاج ٦ / ٢٠٣

حَدِيثَيْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ السَّابِقَيْنِ - وَلِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا رَفَّأَ إِنْسَانًا تَزَوَّجَ قَال: بَارَكَ اللَّهُ لَك، وَبَارَكَ عَلَيْك، وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ (١) .

وَلَفْظُ تَهْنِئَةِ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ: بَارَكَ اللَّهُ لِكُل وَاحِدٍ مِنْكُمَا فِي صَاحِبِهِ وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ (٢) .

٨ - وَكَانَتِ التَّرْفِئَةُ بِالنِّكَاحِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِلَفْظِ: بِالرِّفَاءِ وَالْبَنِينَ، وَجَاءَتِ الأَْحَادِيثُ النَّبَوِيَّةُ بِالأَْلْفَاظِ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُهَا، وَاخْتُلِفَ فِي جَوَازِ التَّرْفِئَةِ بِلَفْظِ، بِالرِّفَاءِ وَالْبَنِينَ، فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ التَّرْفِئَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ لاَ كَرَاهَةَ فِيهَا، وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُقَال فِي التَّرْفِئَةِ: بِالرِّفَاءِ وَالْبَنِينَ (٣)، وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ عَقِيل بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّهُ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي جُشَمَ فَقَالُوا: بِالرِّفَاءِ وَالْبَنِينَ، فَقَال: لاَ تَقُولُوا هَكَذَا، وَلَكِنْ قُولُوا كَمَا قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِمْ

_________

(١) حديث: " بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير " أخرجه أبو داود (٢ / ٥٩٨ - ٥٩٩ ط عبيد الدعاس) . وابن ماجه (١ / ٦١٤ ط عيسى الحلبي) . والترمذي ٣ / ٤٠٠ ط مصطفى الحلبي) . وقال: حديث حسن صحيح

(٢) الأذكار ص٢٥١، والمغني ٦ / ٥٣٩، ونهاية المحتاج ٦ / ٢٠٣، ونيل الأوطار ٦ / ١٤٨

(٣» مواهب الجليل ٣ / ٤٠٨ والأذكار ص٢٥١، ونيل الأوطار ٦ / ١٤٩

رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ وَأَحْمَدُ بِمَعْنَاهُ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: لاَ تَقُولُوا ذَلِكَ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ نَهَانَا عَنْ ذَلِكَ، قُولُوا: بَارَكَ اللَّهُ لَهَا فِيك، وَبَارَكَ لَك فِيهَا (١) .

وَاخْتُلِفَ فِي عِلَّةِ النَّهْيِ عَنِ التَّرْفِئَةِ بِلَفْظِ (بِالرِّفَاءِ وَالْبَنِينَ)، فَقِيل: لأَِنَّهُ لاَ حَمْدَ فِيهِ وَلاَ ثَنَاءَ وَلاَ ذِكْرَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَقِيل: لِمَا فِيهِ مِنَ الإِْشَارَةِ إِلَى بُغْضِ الْبَنَاتِ لِتَخْصِيصِ الْبَنِينَ بِالذِّكْرِ، وَإِلاَّ فَهُوَ دُعَاءٌ بِالاِلْتِئَامِ وَالاِئْتِلاَفِ فَلاَ كَرَاهَةَ فِيهِ، وَقَال ابْنُ الْمُنِيرِ: الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ ﷺ كَرِهَ اللَّفْظَ لِمَا فِيهِ مِنْ مُوَافَقَةِ الْجَاهِلِيَّةِ لأَِنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَهُ تَفَاؤُلًا لاَ دُعَاءً. فَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَوْ قِيل بِصُورَةِ الدُّعَاءِ لَمْ يُكْرَهْ كَأَنْ يَقُول: اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَهُمَا وَارْزُقْهُمَا بَنِينَ صَالِحِينَ (٢) .

ثَانِيًا: التَّهْنِئَةُ بِالْمَوْلُودِ:

٩ - التَّهْنِئَةُ بِالْمَوْلُودِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مُسْتَحَبَّةٌ، وَتَكُونُ عِنْدَ الْوِلاَدَةِ، وَالأَْوْجَهُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ امْتِدَادُ زَمَنِهَا ثَلاَثًا بَعْدَ الْعِلْمِ أَوِ الْقُدُومِ مِنَ السَّفَرِ (٣) .

_________

(١) حديث " بارك الله لها فيك، وبارك لك فيها "، أخرجه أحمد (١ / ٢٠١ ط المكتب الإسلامي) . قال أحمد شاكر: إسناده صحيح (مسند أحمد ٣ / ١٧٨ - ١٧٣٨ ط دار المعارف)

(٢) عمدة القاري للعيني ٢٠ - ١٤٥ - ١٤٦، وفتح الباري ٩ / ٢٢١ - ٢٢٢، ونيل الأوطار ٦ / ١٤٨ - ١٥٠

(٣) المبسوط للسرخسي ٧ / ٥٢، وروضة الطالبين ٣ / ٢٣٣، والمغني لابن قدامة ٨ / ٦٤٩، وحاشية الجمل ٥ / ٢٦٧

وَلَفْظُهَا الَّذِي يَقُولُهُ الْمُهَنِّئُ لِوَالِدِ الْمَوْلُودِ وَنَحْوِهِ، بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي الْوَلَدِ الْمَوْهُوبِ، وَشَكَرْتَ الْوَاهِبَ، وَبَلَغَ أَشُدَّهُ، وَرُزِقْتَ بِرَّهُ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْحُسَيْنِ ﵁ أَنَّهُ عَلَّمَ إِنْسَانًا التَّهْنِئَةَ فَقَال: قُل بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي الْمَوْهُوبِ لَكَ، وَشَكَرْتَ الْوَاهِبَ، وَبَلَغَ أّشُدَّهُ، وَرُزِقْت بِرَّهُ، وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ.

وَيُسْتَحَبُّ لَلْمُهَنَّأِ أَنْ يَرُدَّ عَلَى الْمُهَنِّئِ فَيَقُول: بَارَكَ اللَّهُ لَكَ، وَبَارَكَ عَلَيْكَ، وَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، وَرَزَقَكَ مِثْلَهُ، أَوْ: أَجْزَل اللَّهُ ثَوَابَك، وَنَحْوَ هَذَا (١) .

ثَالِثًا: التَّهْنِئَةُ بِالْعِيدِ وَالأَْعْوَامِ وَالأَْشْهُرِ:

١٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّهْنِئَةِ بِالْعِيدِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ.

فَقَال صَاحِبُ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ - مِنَ الْحَنَفِيَّةِ - إِنَّ التَّهْنِئَةَ بِالْعِيدِ بِلَفْظِ " يَتَقَبَّل اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكُمْ " لاَ تُنْكَرُ.

وَعَقَّبَ ابْنُ عَابِدِينَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إِنَّمَا قَال - أَيْ صَاحِبُ الدُّرِّ الْمُخْتَارِ - كَذَلِكَ لأَِنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ فِيهَا شَيْءٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ، وَقَال

_________

(١) الأذكار ص٢٥٦، وحاشية الجمل ٥ / ٢٦٧، المغني لابن قدامة ٨ / ٦٥٠

الْمُحَقِّقُ ابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ: بَل الأَْشْبَهُ أَنَّهَا جَائِزَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ فِي الْجُمْلَةِ، ثُمَّ سَاقَ آثَارًا بِأَسَانِيدَ صَحِيحَةٍ عَنِ الصَّحَابَةِ فِي فِعْل ذَلِكَ، ثُمَّ قَال: وَالْمُتَعَامَل فِي الْبِلاَدِ الشَّامِيَّةِ وَالْمِصْرِيَّةِ: عِيدٌ مُبَارَكٌ عَلَيْكَ وَنَحْوُهُ، وَقَال: يُمْكِنُ أَنْ يُلْحَقَ بِذَلِكَ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ وَالاِسْتِحْبَابِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ التَّلاَزُمِ، فَإِنَّ مَنْ قُبِلَتْ طَاعَتُهُ فِي زَمَانٍ كَانَ ذَلِكَ الزَّمَانُ عَلَيْهِ مُبَارَكًا، عَلَى أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ الدُّعَاءُ بِالْبَرَكَةِ فِي أُمُورٍ شَتَّى فَيُؤْخَذُ مِنْهُ اسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ بِهَا هُنَا أَيْضًا.

أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَقَدْ سُئِل الإِْمَامُ مَالِكٌ عَنْ قَوْل الرَّجُل لأَِخِيهِ يَوْمَ الْعِيدِ: تَقَبَّل اللَّهُ مِنَّا وَمِنْكَ يُرِيدُ الصَّوْمَ وَفِعْل الْخَيْرِ الصَّادِرِ فِي رَمَضَانَ، وَغَفَرَ اللَّهُ لَنَا وَلَكَ فَقَال: مَا أَعْرِفُهُ وَلاَ أُنْكِرُهُ. قَال ابْنُ حَبِيبٍ: مَعْنَاهُ لاَ يَعْرِفُهُ سُنَّةً وَلاَ يُنْكِرُهُ عَلَى مَنْ يَقُولُهُ؛ لأَِنَّهُ قَوْلٌ حَسَنٌ لأَِنَّهُ دُعَاءٌ، حَتَّى قَال الشَّيْخُ الشَّبِيبِيُّ يَجِبُ الإِْتْيَانُ بِهِ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِهِ مِنَ الْفِتَنِ وَالْمُقَاطَعَةِ. وَيَدُل لِذَلِكَ مَا قَالُوهُ فِي الْقِيَامِ لِمَنْ يَقْدَمُ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ قَوْل النَّاسِ لِبَعْضِهِمْ فِي الْيَوْمِ الْمَذْكُورِ: عِيدٌ مُبَارَكٌ، وَأَحْيَاكُمُ اللَّهُ لأَِمْثَالِهِ، لاَ شَكَّ فِي جَوَازِ كُل ذَلِكَ بَل لَوْ قِيل بِوُجُوبِهِ لَمَا بَعُدَ؛ لأَِنَّ النَّاسَ مَأْمُورُونَ بِإِظْهَارِ الْمَوَدَّةِ وَالْمَحَبَّةِ لِبَعْضِهِمْ (١) .

أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ نَقَل الرَّمْلِيُّ عَنِ الْقَمُولِيِّ

_________

(١) رد المحتار على الدر المختار ١ / ٥٥٧، والفواكه الدواني ١ / ٣٢٢