الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣ الصفحة 56

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣

وَالإِْجَارَةِ وَالرَّهْنِ، فَهِيَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي أَصْلِهَا عَقْدُ أَمَانَةٍ إِلاَّ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْمُضَارِبِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُرْتَهِنِ أَمِينٌ عَلَى مَا فِي يَدِهِ.

فَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ مَا تَلِفَ مِنْ مَال الْمُضَارَبَةِ يَكُونُ تَلَفُهُ عَلَى رَبِّ الْمَال وَلاَ يَضْمَنُهُ الْمُضَارِبُ، فَهُوَ فِي يَدِهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَدِيعَةِ، لأَِنَّهُ قَبَضَهُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ لاَ عَلَى وَجْهِ الْبَدَل وَالْوَثِيقَةِ، إِلاَّ أَنَّ الْمُضَارِبَ يَصِيرُ ضَامِنًا لِرَأْسِ الْمَال إِذَا تَلِفَ بِسَبَبِ مُخَالَفَةِ شَرْطِ رَبِّ الْمَال، كَأَنْ شَرَطَ رَبُّ الْمَال أَلاَّ يُسَافِرَ بِهِ فِي الْبَحْرِ فَسَافَرَ فَغَرِقَ الْمَال، فَإِنَّ الْمُضَارِبَ حِينَئِذٍ ضَامِنٌ لَهُ لِمُخَالَفَتِهِ شَرْطَ رَبِّ الْمَال فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ (١) .

وَلاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ يَدَ الْمُسْتَأْجِرِ يَدُ أَمَانَةٍ، فَمَا تَلِفَ فِي يَدِهِ لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ إِلاَّ بِالتَّعَدِّي أَوِ التَّفْرِيطِ، أَمَّا إِذَا تَعَدَّى أَوْ فَرَّطَ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يَكُونُ ضَامِنًا لِمَا يَلْحَقُ الْعَيْنَ مِنْ تَلَفٍ أَوْ نُقْصَانٍ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِذَا تَجَاوَزَ فِي الاِنْتِفَاعِ بِهَا حَقَّهُ فِيهِ فَتَلِفَتْ عِنْدَ ذَلِكَ (٢) .

وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الرَّهْنِ إِذَا تَلِفَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، هَل يَضْمَنُهُ الْمُرْتَهِنُ أَمْ لاَ؟

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ٨٧، وحاشية الدسوقي ٢ / ٥٢٦، ومغني المحتاج ٢ / ٣٢٢، وكشاف القناع ٣ / ٥٢٢ وما بعدها.

(٢) الدر المختار ٥ / ١٧ وما بعدها، ومواهب الجليل ٥ / ٤١٦، والفتاوى الهندية ٤ / ٤٧٠، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٢٥، والمهذب ١ / ٤٠٧، وكشاف القناع ٤ / ١٥.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمَرْهُونَ إِذَا تَلِفَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ فَإِنَّهُ مَضْمُونٌ بِالأَْقَل مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنَ الدَّيْنِ، وَإِنْ سَاوَتْ قِيمَتُهُ الدَّيْنَ صَارَ مُسْتَوْفِيًا دَيْنَهُ، وَخَصَّ الْمَالِكِيَّةُ ضَمَانَ الْمَرْهُونِ بِمَا إِذَا كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ، كَحُلِيٍّ وَثِيَابٍ وَسِلاَحٍ وَكُتُبٍ مِنْ كُل مَا يُمْكِنُ إِخْفَاؤُهُ وَكَتْمُهُ، بِخِلاَفِ مَا لاَ يُمْكِنُ كَتْمُهُ كَحَيَوَانٍ وَعَقَارٍ، وَهَذَا إِنْ لَمْ تَشْهَدْ لَهُ بَيِّنَةٌ، فَإِنْ شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ بِتَلَفِهِ أَوْ هَلاَكِهِ بِغَيْرِ سَبَبِهِ فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، لأَِنَّ الضَّمَانَ هُنَا ضَمَانُ تُهْمَةٍ، وَهِيَ تَنْتَفِي بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ.

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ الْمَرْهُونَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، فَلاَ يَسْقُطُ بِتَلَفِهِ شَيْءٌ مِنَ الدَّيْنِ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنَ الْمُرْتَهِنِ أَوْ تَفْرِيطٍ، لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لاَ يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صَاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ، لَهُ غُنْمُهُ وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ (١) . وَلأَِنَّهُ لَوْ ضَمِنَ لاَمْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ فِعْلِهِ خَوْفًا مِنَ الضَّمَانِ، وَذَلِكَ وَسِيلَةٌ إِلَى تَعْطِيل الْمُدَايَنَاتِ، وَفِيهِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ (٢) .

_________

(١) حديث: " لا يغلق الرهن من صاحبه. . . " أخرجه الشافعي (بدائع المنن ٢ / ١٨٩ - ١٩٠ - ط دار الأنوار) من حديث سعيد بن المسيب مرسلا. وروي متصلا من طرق لا تصح. وصحح أبو داود والبزار والدارقطني وغيرهم إرساله. (التلخيص لابن حجر ٣ / ٣٦ - ط شركة الطباعة الفنية) .

(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٣٠٩ وما بعدها، وحاشية الدسوقي ٣ / ٢٥٣ وما بعدها، ومغني المحتاج ٢ / ١٣٦، ١٣٧، وكشاف القناع ٣ / ٣٤١.

رَابِعًا: التَّلَفُ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْمُسَاقَاةِ:

٢٣ - الْمُزَارَعَةُ وَالْمُسَاقَاةُ صُورَتَانِ مِنْ صُوَرِ عُقُودِ الْعَمَل، وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْمُسَاقَاةِ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْمُزَارَعَةِ.

وَقَدِ اعْتَبَرَ الْفُقَهَاءُ الْعَامِل فِي عَقْدَيِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ أَمِينًا عَلَى مَا فِي يَدِهِ، فَمَا تَلِفَ مِنْهُ بِلاَ تَعَدٍّ وَلاَ تَفْرِيطٍ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَأَمَّا إِذَا فَرَّطَ الْعَامِل، كَأَنْ تَرَكَ السَّقْيَ حَتَّى فَسَدَ الزَّرْعُ فَإِنَّهُ ضَامِنٌ لَهُ، لأَِنَّهُ فِي يَدِهِ وَعَلَيْهِ حِفْظُهُ (١) .

وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (مُزَارَعَةٌ، وَمُسَاقَاةٌ) .

خَامِسًا: تَلَفُ الْمَغْصُوبِ:

٢٤ - تَلَفُ الْمَغْصُوبِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ حِسِّيًّا، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَوِيًّا، فَالتَّلَفُ الْحِسِّيُّ: هُوَ تَفْوِيتُ عَيْنِ الْمَغْصُوبِ عَنْ رَبِّهِ، وَالتَّلَفُ الْمَعْنَوِيُّ: هُوَ تَفْوِيتُ مَعْنًى فِي الْمَغْصُوبِ. وَفِي كِلَيْهِمَا الضَّمَانُ

وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ الْمَنْقُول عِنْدَ الْغَاصِبِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ الضَّمَانَ، سَوَاءٌ تَلِفَ عِنْدَهُ بِآفَةٍ أَوْ بِإِتْلاَفٍ، وَيَكُونُ الضَّمَانُ بِالْمِثْل إِنْ كَانَ الْمَغْصُوبُ مِثْلِيًّا، وَبِالْقِيمَةِ إِنْ كَانَ قِيَمِيًّا، وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُهُ فَعَلَيْهِ أَرْشُ النُّقْصَانِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي غَاصِبِ الْعَقَارِ، إِذَا تَلِفَ الْعَقَارُ عِنْدَهُ بِسَيْلٍ أَوْ حَرِيقٍ أَوْ شِبْهِ ذَلِكَ هَل عَلَيْهِ الضَّمَانُ أَمْ لاَ؟

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ١٧٩، وتحفة المحتاج ٦ / ١٠٩، ١١٠، ١١٨، وكشاف القناع ٣ / ٥٤١.

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ) إِلَى تَضْمِينِهِ، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى عَدَمِ تَضْمِينِهِ إِلاَّ فِي ثَلاَثٍ: الْمَوْقُوفِ، وَمَال الْيَتِيمِ، وَالْمُعَدِّ لِلاِسْتِغْلاَل. هَذَا فِي التَّلَفِ الْحِسِّيِّ.

أَمَّا التَّلَفُ الْمَعْنَوِيُّ، فَمِنْ صُوَرِهِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ، مَا لَوْ غَصَبَ عَبْدًا ذَا حِرْفَةٍ فَنَسِيَ الْمَغْصُوبُ الْحِرْفَةَ عِنْدَ الْغَاصِبِ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَرْشَ النَّقْصِ، إِلاَّ أَنْ يَتَذَكَّرَهَا سَوَاءٌ عِنْدَ الْغَاصِبِ أَوِ الْمَالِكِ، أَوْ يَتَعَلَّمُهَا عِنْدَ الْغَاصِبِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، أَمَّا لَوْ تَعَلَّمَهَا عِنْدَ الْمَالِكِ فَالأَْرْشُ بَاقٍ عَلَى الْغَاصِبِ.

وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ مَا إِذَا كَانَ شَابًّا فَشَاخَ عِنْدَ الْغَاصِبِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الضَّمَانُ أَيْضًا (١) .

سَادِسًا: تَلَفُ اللُّقَطَةِ:

٢٥ - لِتَلَفِ اللُّقَطَةِ حَالاَنِ، فَهِيَ فِي حَال أَمَانَةٍ لاَ شَيْءَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ إِذَا تَلِفَتْ عِنْدَهُ أَوْ ضَاعَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ وَلاَ تَعَدٍّ. وَفِي حَالٍ مَضْمُونَةٌ بِالتَّلَفِ أَوِ الضَّيَاعِ.

وَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ اللُّقَطَةَ أَمَانَةٌ عِنْدَ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ١١٤، ١١٦، ١٢٠، والقوانين الفقهية ٣٣٥، وتحفة المحتاج ٦ / ٣٧، ٤٠، ومغني المحتاج ٢ / ٢٧٧، ٢٨٢، ٢٨٣، ٢٨٩، ٢٩٠، وكشاف القناع ٤ / ٧٧، ٩٠، ١٠٦ وما بعدها.

الْمُلْتَقِطِ إِذَا أَخَذَهَا لِيَحْفَظَهَا لِصَاحِبِهَا، فَإِنْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ أَوْ ضَاعَتْ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، لأَِنَّهُ أَخَذَهَا عَلَى سَبِيل الأَْمَانَةِ فَكَانَتْ يَدُهُ يَدَ أَمَانَةٍ كَيَدِ الْمُودَعِ.

وَإِنْ أَخَذَهَا بِقَصْدِ الْخِيَانَةِ فَإِنَّهُ ضَامِنٌ لَهَا إِنْ تَلِفَتْ عَمَلًا بِقَصْدِهِ الْمُقَارِنِ لِفِعْلِهِ وَيُعْتَبَرُ كَالْغَاصِبِ (١) .

سَابِعًا: تَلَفُ الْمَهْرِ:

٢٦ - فَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ فِي تَلَفِ الصَّدَاقِ الْمُعَيَّنِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّلَفُ فَاحِشًا أَوْ غَيْرَ فَاحِشٍ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ الزَّوْجِ أَوْ فِي يَدِ الزَّوْجَةِ، وَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِي كُلٍّ بِاخْتِلاَفِ مُتْلِفِهِ.

أ - الصَّدَاقُ بِيَدِ الزَّوْجِ وَالنُّقْصَانُ فَاحِشٌ:

إِنْ كَانَ نُقْصَانُ الصَّدَاقِ بِفِعْل أَجْنَبِيٍّ وَكَانَ فَاحِشًا، فَالْمَرْأَةُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَخْذِ الْمَهْرِ نَاقِصًا مَعَ الأَْرْشِ، وَبَيْنَ تَرْكِ الصَّدَاقِ وَأَخْذِ قِيمَتِهِ مِنَ الزَّوْجِ يَوْمَ الْعَقْدِ، ثُمَّ يَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى الأَْجْنَبِيِّ بِضَمَانِ النُّقْصَانِ.

وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، فَالزَّوْجَةُ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَتْ أَخَذَتْهُ نَاقِصًا وَلاَ شَيْءَ لَهَا

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٣ / ٣١٩ وما بعدها، بدائع الصنائع ٦ / ٢٠١، ومواهب الجليل ٦ / ٧٢ وما بعدها، تحفة المحتاج ٦ / ٣٣٠، ومغني المحتاج ٢ / ٤٠٨ وما بعدها، وكشاف القناع ٤ / ٢٠٩، ٢١٣ وما بعدها.

غَيْرُ ذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَتْ تَرَكَتْهُ وَأَخَذَتْ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْعَقْدِ.

وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ بِفِعْل الزَّوْجِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَخْذِهِ نَاقِصًا مَعَ أَرْشِ النُّقْصَانِ مِنَ الزَّوْجِ، وَبَيْنَ أَخْذِ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْعَقْدِ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الزَّوْجَ إِذَا جَنَى عَلَى الْمَهْرِ فَالزَّوْجَةُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَتْ أَخَذَتْهُ نَاقِصًا وَلاَ شَيْءَ لَهَا غَيْرُ ذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَتْ أَخَذَتِ الْقِيمَةَ، وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ بِفِعْل الزَّوْجَةِ نَفْسِهَا فَلاَ شَيْءَ عَلَى الزَّوْجِ، وَصَارَتْ قَابِضَةً بِالْجِنَايَةِ، فَجُعِل كَأَنَّ النُّقْصَانَ حَصَل فِي يَدِهَا.

وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ بِفِعْل الْمَهْرِ، بِأَنْ جَنَى الْمَهْرُ عَلَى نَفْسِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ:

إِحْدَاهُمَا: أَنَّ حُكْمَهُ كَمَا لَوْ تَلِفَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، وَالثَّانِيَةُ: كَمَا لَوْ تَلِفَ بِفِعْل الزَّوْجِ.

ب - الصَّدَاقُ بِيَدِ الزَّوْجِ وَالنُّقْصَانُ غَيْرُ فَاحِشٍ:

إِذَا كَانَ نُقْصَانُ الصَّدَاقِ يَسِيرًا غَيْرَ فَاحِشٍ، فَلاَ خِيَارَ لِلزَّوْجَةِ، كَمَا إِذَا كَانَ هَذَا الْعَيْبُ بِهِ يَوْمَ الْعَقْدِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا النُّقْصَانُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِفِعْلِهَا أَوْ بِفِعْل الْمَهْرِ فَلاَ شَيْءَ لَهَا، وَإِنْ كَانَ بِفِعْل أَجْنَبِيٍّ أَوْ بِفِعْل الزَّوْجِ أَخَذَتْهُ مَعَ أَرْشِ النُّقْصَانِ.

ج - الصَّدَاقُ بِيَدِ الزَّوْجَةِ وَالنُّقْصَانُ فَاحِشٌ:

إِذَا كَانَ نُقْصَانُ الصَّدَاقِ بِفِعْل أَجْنَبِيٍّ، وَكَانَ

فَاحِشًا قَبْل الطَّلاَقِ فَالأَْرْشُ لَهَا، فَإِنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ فَلَهُ نِصْفُ الْقِيمَةِ يَوْمَ قَبَضَتْ، وَلاَ سَبِيل لَهُ عَلَى الْعَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَةُ الأَْجْنَبِيِّ عَلَيْهِ بَعْدَ الطَّلاَقِ فَلِلزَّوْجَةِ نِصْفُ الْمَهْرِ، وَهُوَ بِالْخِيَارِ فِي الأَْرْشِ بَيْنَ أَخْذِ نِصْفِهِ مِنَ الْمَرْأَةِ مَعَ اعْتِبَارِ قِيمَتِهِ يَوْمَ الْقَبْضِ، وَبَيْنَ أَخْذِ نِصْفِهِ مِنَ الْجَانِي.

وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ بِفِعْل الزَّوْجِ فَجِنَايَتُهُ كَجِنَايَةِ الأَْجْنَبِيِّ، لأَِنَّهُ جَنَى عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ وَلاَ يَدَ لَهُ فِيهِ فَصَارَ كَالأَْجْنَبِيِّ، وَسَبَقَ حُكْمُ إِتْلاَفِ الأَْجْنَبِيِّ.

وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ قَبْل الطَّلاَقِ فَالزَّوْجُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَخْذِ نِصْفِهِ نَاقِصًا وَلاَ شَيْءَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ، وَبَيْنَ أَخْذِ نِصْفِ الْقِيمَةِ يَوْمَ الْقَبْضِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الطَّلاَقِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ أَيْضًا بَيْنَ أَخْذِ نِصْفِهِ وَنِصْفِ الأَْرْشِ، وَبَيْنَ أَخْذِ قِيمَتِهِ يَوْمَ قَبَضَتْ.

وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ بِفِعْل الْمَرْأَةِ فَالزَّوْجُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَخْذِ نِصْفِهِ وَلاَ شَيْءَ لَهُ، وَبَيْنَ أَخْذِ نِصْفِ قِيمَتِهِ.

وَقَال زُفَرُ: لِلزَّوْجِ أَنْ يُضَمِّنَهَا الأَْرْشَ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ الطَّلاَقِ فَعَلَيْهَا نِصْفُ الأَْرْشِ، وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ بِفِعْل الْمَهْرِ نَفْسِهِ فَالزَّوْجُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَخْذِ نِصْفِهِ نَاقِصًا وَبَيْنَ أَخْذِ نِصْفِ قِيمَتِهِ.

د - الصَّدَاقُ بِيَدِ الْمَرْأَةِ وَالنُّقْصَانُ غَيْرُ فَاحِشٍ:

إِنْ كَانَ النُّقْصَانُ غَيْرَ فَاحِشٍ وَهُوَ بِيَدِ الْمَرْأَةِ وَكَانَ النُّقْصَانُ بِفِعْل أَجْنَبِيٍّ أَوِ الزَّوْجِ، فَإِنَّ الْمَهْرَ لاَ يَتَنَصَّفُ؛ لأَِنَّ الأَْرْشَ يَمْنَعُ التَّنْصِيفَ، وَإِنْ كَانَ النُّقْصَانُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِفِعْلِهَا أَوْ بِفِعْل الْمَهْرِ أَخَذَ النِّصْفَ وَلاَ خِيَارَ لَهُ (١) .

٢٧ - وَيُفَرِّقُ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ الصَّدَاقُ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ أَوْ مِمَّا لاَ يُغَابُ عَلَيْهِ:

فَإِذَا تَلِفَ الصَّدَاقُ وَكَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَثْبُتْ هَلاَكُهُ بِبَيِّنَةٍ، فَضَمَانُهُ مِمَّنْ هَلَكَ فِي يَدِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِيَدِ الزَّوْجِ أَمِ الزَّوْجَةِ، فَإِذَا كَانَ بِيَدِ الزَّوْجِ وَادَّعَى ضَيَاعَهُ وَكَانَ قَدْ دَخَل بِهَا ضَمِنَ لَهَا قِيمَتَهُ أَوْ مِثْلَهُ، وَإِنْ كَانَ بِيَدِهَا ضَاعَ عَلَيْهَا، وَإِنْ كَانَ طَلَّقَ قَبْل الدُّخُول لَزِمَ لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ إِنْ ضَاعَ بِيَدِهِ، وَإِنْ كَانَ بِيَدِهَا غَرِمَتْ لَهُ نِصْفَ الْقِيمَةِ أَوْ نِصْفَ الْمِثْل.

وَإِنْ كَانَ الصَّدَاقُ مِمَّا لاَ يُغَابُ عَلَيْهِ، أَوْ كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ، وَقَامَتْ عَلَى هَلاَكِهِ بَيِّنَةٌ، فَضَمَانُهُ مِنْهُمَا سَوَاءٌ كَانَ بِيَدِ الزَّوْجِ أَوْ بِيَدِ الزَّوْجَةِ، فَكُل مَنْ تَلِفَ فِي يَدِهِ لاَ يَغْرَمُ لِلآْخَرِ حِصَّتَهُ. وَهَذَا فِيمَا إِذَا حَصَل طَلاَقٌ قَبْل الدُّخُول.

وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَحْصُل طَلاَقٌ قَبْل الدُّخُول، وَكَانَ النِّكَاحُ صَحِيحًا، فَإِنَّ ضَمَانَ الصَّدَاقِ عَلَى الزَّوْجَةِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ وَلَوْ كَانَ بِيَدِ الزَّوْجِ، وَالْمُرَادُ بِضَمَانِهَا لَهُ أَنَّهُ يَضِيعُ عَلَيْهَا.

_________

(١) بدائع الصنائع ٢ / ٣٠١ وما بعدها.

وَإِنْ كَانَ النِّكَاحُ فَاسِدًا فَإِنَّهَا لاَ تَضْمَنُ الصَّدَاقَ إِلاَّ بِقَبْضِهِ (١) .

٢٨ - وَقَسَّمَ الشَّافِعِيَّةُ تَلَفَ الْمَهْرِ إِذَا كَانَ عَيْنًا إِلَى تَلَفٍ كُلِّيٍّ وَتَلَفٍ جُزْئِيٍّ، وَفَرَّقُوا فِي الْحُكْمِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّلَفُ بِفِعْل أَجْنَبِيٍّ، أَوْ بِفِعْل الزَّوْجِ، أَوِ الزَّوْجَةِ، أَوْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ.

أ - التَّلَفُ الْكُلِّيُّ: فَإِذَا تَلِفَ الْمَهْرُ فِي يَدِ الزَّوْجِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ.

وَإِنْ تَلِفَ بِفِعْل الزَّوْجَةِ فَيُعْتَبَرُ إِتْلاَفُهَا قَبْضًا لَهُ إِذَا كَانَتْ أَهْلًا لِلتَّصَرُّفِ، وَلاَ شَيْءَ عَلَى الزَّوْجِ لأَِنَّهَا قَبَضَتْ حَقَّهَا وَأَتْلَفَتْهُ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ رَشِيدَةٍ، فَلاَ يُعْتَبَرُ إِتْلاَفُهَا قَبْضًا، لأَِنَّ قَبْضَهَا غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ، وَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ الضَّمَانُ.

وَإِنْ تَلِفَ بِفِعْل الزَّوْجِ فَحُكْمُهُ كَمَا لَوْ تَلِفَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ بَدَلُهُ مِنْ مِثْلٍ أَوْ قِيمَةٍ.

وَإِنْ تَلِفَ بِفِعْل أَجْنَبِيٍّ، فَالزَّوْجَةُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ فَسْخِ الصَّدَاقِ وَإِبْقَائِهِ، فَإِنْ فَسَخَتِ الصَّدَاقَ أَخَذَتْ مِنَ الزَّوْجِ مَهْرَ الْمِثْل. وَيَأْخُذُ الزَّوْجُ الْغُرْمَ مِنَ الْمُتْلِفِ، وَإِنْ أَبْقَتْهُ غَرِمَ الْمُتْلِفُ لَهَا الْمِثْل أَوِ الْقِيمَةَ، وَلَيْسَ لَهَا مُطَالَبَةُ الزَّوْجِ

ب - التَّلَفُ الْجُزْئِيُّ: إِنْ تَلِفَ بَعْضُ الصَّدَاقِ قَبْل قَبْضِهِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِفِعْل الزَّوْجِ. انْفَسَخَ عَقْدُ الصَّدَاقِ فِي التَّالِفِ دُونَ الْبَاقِي، وَلَهَا الْخِيَارُ

_________

(١) حاشية الدسوقي ٢ / ٢٩٤، ٢٩٥، ومواهب الجليل ٣ / ٥٠٠، ٥٠١.

بَيْنَ الْفَسْخِ وَالإِْجَازَةِ لِعَدَمِ سَلاَمَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَإِنْ فَسَخَتِ الصَّدَاقَ فَلَهَا مَهْرُ الْمِثْل. وَإِنْ أَجَازَتْ فَلَهَا حِصَّةُ التَّالِفِ مِنْ مَهْرِ الْمِثْل مَعَ الْبَاقِي مِنَ الْمَهْرِ بَعْدَ التَّلَفِ.

وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُهُ بِفِعْل الزَّوْجَةِ فَهِيَ قَابِضَةٌ لِقِسْطِهِ الَّذِي تَلِفَ بِفِعْلِهَا، وَلاَ شَيْءَ عَلَى الزَّوْجِ وَلَهَا الْبَاقِي مِنَ الْمَهْرِ بَعْدَ التَّلَفِ.

وَإِنْ أَتْلَفَهُ أَجْنَبِيٌّ فَهِيَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالإِْجَازَةِ، فَإِنْ فَسَخَتْ طَالَبَتِ الزَّوْجَ بِمَهْرِ الْمِثْل، وَإِنْ أَجَازَتْ طَالَبَتِ الأَْجْنَبِيَّ بِالْبَدَل (١) . عَلَى تَفْصِيلٍ فِي الْمَذْهَبِ يُنْظَرُ فِي (صَدَاقٌ) .

٢٩ - وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ ضَمَانَ الْمَهْرِ عَلَى الزَّوْجَةِ سَوَاءٌ أَقَبَضَتْهُ أَمْ لَمْ تَقْبِضْهُ لِدُخُولِهِ فِي مِلْكِهَا بِالْعَقْدِ، إِلاَّ أَنْ يَمْنَعَهَا الزَّوْجُ قَبْضَهُ فَيَكُونُ ضَمَانُهُ عَلَيْهِ لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ. إِلاَّ أَنْ يَتْلَفَ الصَّدَاقُ بِفِعْلِهَا، فَيَكُونُ إِتْلاَفُهَا قَبْضًا مِنْهَا وَيَسْقُطُ عَنْهُ ضَمَانُهُ، هَذَا فِيمَا إِذَا كَانَ الصَّدَاقُ مُعَيَّنًا.

وَأَمَّا إِذَا كَانَ الصَّدَاقُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، فَإِنَّهُ لاَ يَدْخُل فِي ضَمَانِهَا إِلاَّ بِقَبْضِهِ. وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا إِذَا دَخَل بِهَا.

وَأَمَّا إِنْ طَلَّقَهَا قَبْل الدُّخُول وَتَلِفَ بَعْضُ الصَّدَاقِ وَهُوَ بِيَدِهَا، فَإِنْ كَانَ التَّلَفُ بِغَيْرِ جِنَايَةٍ عَلَيْهِ كَأَنْ نَقَصَ بِمَرَضٍ، أَوْ نِسْيَانِ صَنْعَةٍ،

_________

(١) مغني المحتاج ٣ / ٢١١ وما بعدها.