الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣
ذَبْحِهَا أَوْ بِتَفْرِيطٍ مِنْهُ فَأَوْجَبُوا عَلَيْهِ الضَّمَانَ.
وَإِنْ تَعَدَّى أَجْنَبِيٌّ عَلَيْهَا فَأَتْلَفَهَا، فَعَلَى الأَْجْنَبِيِّ الْقِيمَةُ بِلاَ نِزَاعٍ، يَأْخُذُهَا الْمُضَحِّي وَيَشْتَرِي بِهَا مِثْل الأُْولَى، وَإِنْ أَتْلَفَهَا الْمُضَحِّي نَفْسُهُ لَزِمَهُ أَكْثَرُ الْقَدْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهَا وَثَمَنِ مِثْلِهَا عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ يَضْمَنُهَا بِالْقِيمَةِ يَوْمَ التَّلَفِ (١) .
د - تَلَفُ الْهَدْيِ:
٧ - مَنْ سَاقَ هَدْيًا وَاجِبًا فَعَطِبَ أَوْ تَعَيَّبَ بِمَا يَمْنَعُ الأُْضْحِيَّةَ، أَقَامَ غَيْرَهُ مَقَامَهُ، وَصَنَعَ بِالْمَعِيبِ مَا شَاءَ، فَإِنْ كَانَ الْمَعِيبُ تَطَوُّعًا فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَيَنْحَرُهُ وَلاَ يَأْكُل مِنْهُ هُوَ وَلاَ غَيْرُهُ مِنَ الأَْغْنِيَاءِ وَيَضْرِبُ صَفْحَةَ سَنَامِهِ، لِيُعْلَمَ أَنَّهُ هَدْيٌ لِلْفُقَرَاءِ (٢) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ سُرِقَ الْهَدْيُ الْوَاجِبُ، أَوْ تَلِفَ بَعْدَ ذَبْحِهِ أَوْ نَحْرِهِ أَجْزَأَ، لأَِنَّهُ بَلَغَ مَحِلَّهُ.
أَمَّا إِنْ سُرِقَ أَوْ تَلِفَ قَبْل ذَبْحِهِ أَوْ نَحْرِهِ، فَلاَ يُجْزِئُ وَيَلْزَمُهُ الْبَدَل.
وَأَمَّا الْهَدْيُ الْمُتَطَوِّعُ بِهِ فَلاَ بَدَل عَلَيْهِ، وَإِنْ
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٦٦، ومواهب الجليل ٣ / ٢٥٠، وشرح الزرقاني على مختصر خليل ٣ / ٤٢، وروضة الطالبين ٣ / ٢١١ وما بعدها، شرح روض الطالب ١ / ٥٤٢، والإنصاف ٤ / ٩٥ وما بعدها.
(٢) شرح القدوري ١ / ٢١٩ - ٢٢٠، وابن عابدين ٢ / ٢٥١.
سُرِقَ قَبْل ذَبْحِهِ أَوْ نَحْرِهِ (١) .
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ هَدْيَ التَّطَوُّعِ لاَ يُضْمَنُ بِالتَّلَفِ وَلاَ بِالإِْتْلاَفِ، لأَِنَّهُ وَإِنْ تَطَوَّعَ بِهِ مَالِكُهُ فَإِنَّ مِلْكِيَّتَهُ لَهُ لاَ تَزُول عَنْهُ بِالتَّطَوُّعِ، فَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِذَبْحِهِ وَأَكْلِهِ وَبَيْعِهِ وَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ، لأَِنَّ مِلْكَهُ ثَابِتٌ وَلَمْ يُنْذِرْهُ، وَإِنَّمَا وُجِدَ مِنْهُ مُجَرَّدُ نِيَّةِ ذَبْحِهِ، وَهَذَا لاَ يُزِيل الْمِلْكَ، كَمَا لَوْ نَوَى أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ، أَوْ يُعْتِقَ عَبْدَهُ، أَوْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ، أَوْ يَقِفَ دَارَهُ، وَفِي قَوْلٍ شَاذٍّ لِلشَّافِعِيَّةِ، إِنَّهُ إِذَا قَلَّدَ الْهَدْيَ صَارَ كَالْمَنْذُورِ، وَالصَّحِيحُ الأَْوَّل.
فَإِذَا عَطِبَ وَذَبَحَهُ، قَال صَاحِبُ الشَّامِل وَغَيْرُهُ: لاَ يَصِيرُ مُبَاحًا لِلْفُقَرَاءِ إِلاَّ بِلَفْظِهِ، وَهُوَ أَنْ يَقُول أَبَحْتُهُ لِلْفُقَرَاءِ أَوِ الْمَسَاكِينِ، قَال: وَيَجُوزُ لِمَنْ سَمِعَهُ الأَْكْل، وَفِي غَيْرِهِ قَوْلاَنِ: قَال فِي الإِْمْلاَءِ: لاَ يَحِل حَتَّى يُعْلَمَ الإِْذْنُ، وَقَال فِي الْقَدِيمِ وَالأُْمِّ: يَحِل وَهُوَ الأَْظْهَرُ (٢) .
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ أَنَّهُ يُضْمَنُ بِالإِْتْلاَفِ لاَ بِالتَّلَفِ، فَإِنْ تَلِفَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ لَمْ يَضْمَنْهُ، لأَِنَّهُ أَمَانَةٌ عِنْدَهُ، فَإِذَا هَلَكَتْ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ لَمْ تُضْمَنْ كَالْوَدِيعَةِ، وَإِنْ أَصَابَهُ عَيْبٌ وَذَبَحَهُ أَجْزَأَهُ، لأَِنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ أُتِيَ فِي هَدَايَاهُ بِنَاقَةٍ عَوْرَاءَ، فَقَال: إِنْ كَانَ أَصَابَهَا
_________
(١) الدسوقي ٢ / ٩١.
(٢) المجموع ٨ / ٣٦٤ ط السلفية، وروضة الطالبين ٣ / ١٩١ ط المكتب الإسلامي.
بَعْدَمَا اشْتَرَيْتُمُوهَا فَأَمْضُوهَا، وَإِنْ كَانَ أَصَابَهَا قَبْل أَنْ تَشْتَرُوهَا فَأَبْدِلُوهَا، وَلأَِنَّهُ لَوْ هَلَكَ جَمِيعُهُ لَمْ يَضْمَنْهُ، فَإِذَا نَقَصَ بَعْضُهُ لَمْ يَضْمَنْهُ كَالْوَدِيعَةِ.
وَإِنْ تَلِفَ بِتَفْرِيطٍ مِنْهُ بِأَنْ أَخَّرَ ذَبْحَهُ بَعْدَمَا عَطِبَ فِي الطَّرِيقِ حَتَّى هَلَكَ ضَمِنَهُ، أَوْ خَالَفَ فَبَاعَ الْهَدْيَ فَتَلِفَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي أَوْ أَتْلَفَهُ لَزِمَهُ قِيمَتُهُ أَكْثَرَ مَا كَانَتْ مِنْ حِينِ الْقَبْضِ إِلَى حِينِ التَّلَفِ كَمَا فِي الْمَجْمُوعِ، وَيَشْتَرِي النَّاذِرُ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ مِثْل التَّالِفِ جِنْسًا وَنَوْعًا وَسِنًّا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بِالْقِيمَةِ الْمِثْل لِغَلاَءٍ حَدَثَ لَزِمَهُ أَنْ يَضُمَّ مِنْ مَالِهِ إِلَيْهَا تَمَامَ الثَّمَنِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْل الأَْصْحَابِ يَضْمَنُ مَا بَاعَهُ بِأَكْثَرِ الأَْمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ وَمِثْلِهِ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ تَلِفَتِ الْمُعَيَّنَةُ هَدْيًا أَوْ ضَلَّتْ أَوْ سُرِقَتْ وَلَوْ قَبْل الذَّبْحِ فَلاَ بَدَل عَلَيْهِ إِنْ لَمْ يُفَرِّطْ، لأَِنَّهُ أَمِينٌ.
وَإِنْ عَيَّنَ عَنْ وَاجِبٍ فِي الذِّمَّةِ مَا يُجْزِئُ فِيهِ، كَالْمُتَمَتِّعِ يُعَيِّنُ دَمَ التَّمَتُّعِ شَاةً أَوْ بَقَرَةً أَوْ بَدَنَةً، أَوْ عَيَّنَ هَدْيًا بِنَذْرِهِ فِي ذِمَّتِهِ، وَتَعَيَّبَ أَوْ تَلِفَ أَوْ ضَل أَوْ سُرِقَ أَوْ عَطِبَ وَنَحْوُهُ لَمْ يُجْزِئْهُ، لأَِنَّ الذِّمَّةَ لَمْ تَبْرَأْ مِنَ الْوَاجِبِ بِمُجَرَّدِ التَّعْيِينِ عَنْهُ، وَلَزِمَهُ بَدَلُهُ (٢) .
_________
(١) المجموع ٨ / ٣٦٣ - ٣٦٥ ط السلفية، المهذب ١ / ٢٤٣ ط الحلبي، وروضة الطالبين ٣ / ١٩٠ ط المكتب الإسلامي.
(٢) كشاف القناع ٣ / ١٣ - ١٤، الفروع ٣ / ٥٥١، والمغني ٣ / ٥٣٤.
ثَانِيًا: التَّلَفُ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ:
أ - تَلَفُ الْمَبِيعِ:
٨ - تَلَفُ الْمَبِيعِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ كُلِّيًّا أَوْ جُزْئِيًّا، قَبْل الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ، وَلِكُل قِسْمٍ أَحْكَامٌ. وَالتَّلَفُ قَدْ يَكُونُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، وَقَدْ يَكُونُ بِفِعْل الْمُشْتَرِي، أَوِ الْبَائِعِ، أَوْ بِفِعْل أَجْنَبِيٍّ.
تَلَفُ كُل الْمَبِيعِ قَبْل الْقَبْضِ:
٩ - إِذَا تَلِفَ الْمَبِيعُ كُلُّهُ قَبْل الْقَبْضِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِفِعْل الْمَبِيعِ - بِأَنْ كَانَ حَيَوَانًا فَقَتَل نَفْسَهُ - انْفَسَخَ الْبَيْعُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَسَقَطَ الثَّمَنُ عَنِ الْمُشْتَرِي، لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ يَحِل سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلاَ شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلاَ رِبْحٌ مَا لَمْ يُضْمَنْ (١) وَالْمُرَادُ بِهِ رِبْحُ مَا بِيعَ قَبْل الْقَبْضِ، وَالْمَبِيعُ قَبْل قَبْضِ الْمُشْتَرِي لَهُ هُوَ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ، وَلأَِنَّهُ لَوْ بَقِيَ أَوْجَبَ مُطَالَبَةَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ، وَإِذَا طَالَبَهُ بِالثَّمَنِ فَهُوَ يُطَالِبُهُ بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ، وَأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنِ التَّسْلِيمِ، فَتَمْتَنِعُ الْمُطَالَبَةُ أَصْلًا. فَلَمْ يَكُنْ فِي بَقَاءِ الْبَيْعِ فَائِدَةٌ فَيَنْفَسِخُ، وَإِذَا انْفَسَخَ الْبَيْعُ سَقَطَ الثَّمَنُ عَنِ الْمُشْتَرِي؛ لأَِنَّ انْفِسَاخَ الْبَيْعِ ارْتِفَاعُهُ مِنَ الأَْصْل كَأَنْ لَمْ يَكُنْ.
_________
(١) حديث: " لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٥٢٧ - ط الحلبي) من حديث عبد الله بن عمرو، وقال: " حديث صحيح ".
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَكِيل وَالْمَوْزُونِ إِلَى مِثْل قَوْل الْجُمْهُورِ، وَفِي غَيْرِهِمَا يَهْلَكُ قَبْل الْقَبْضِ عَلَى حِسَابِ الْمُشْتَرِي، وَمِثْل الْمَكِيل وَالْمَوْزُونِ مَا بِيعَ بِرُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ (١) . وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ (٢) .
وَأَمَّا إِذَا كَانَ التَّلَفُ بِفِعْل الْبَائِعِ فَإِنَّ حُكْمَهُ كَالتَّلَفِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَبِيعِ إِذَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَوْ نَحْوَهُمَا إِلَى تَخْيِيرِ الْمُشْتَرِي بَيْنَ الْفَسْخِ وَأَخْذِ الثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَهُ إِنْ كَانَ، وَبَيْنَ إِمْضَاءِ الْبَيْعِ، وَيُطَالِبُ الْمُشْتَرِي مُتْلِفَهُ الْبَائِعَ بِمِثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا وَإِلاَّ فَبِقِيمَتِهِ، لأَِنَّ الإِْتْلاَفَ كَالْعَيْبِ وَقَدْ حَصَل فِي مَوْضِعٍ يَلْزَمُ الْبَائِعَ ضَمَانُهُ، فَكَانَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ كَالْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ.
أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَبِيعُ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَوْ نَحْوَهُمَا لَمْ يَنْفَسِخِ الْبَيْعُ عِنْدَهُمْ، وَيُطَالِبُ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ بِالْقِيمَةِ (٣) . وَهَذَا قَوْلٌ مَرْجُوحٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ
وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ عَلَى الْبَتِّ
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٣٨، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٤٢، وحاشية الدسوقي ٣ / ١٤٧، ومغني المحتاج ٢ / ٦٥، وكشاف القناع ٣ / ٢٤٢، والمغني ٤ / ١٢٣.
(٢) حديث: " الخراج بالضمان " أخرجه أبو داود (٣ / ٧٨٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وصححه ابن القطان كما في التلخيص لابن حجر (٣ / ٢٢ - ط شركة الطباعة الفنية) .
(٣) كشاف القناع ٣ / ٢٤٤.
أَوْ عَلَى الْخِيَارِ، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّلَفُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، فَإِذَا كَانَ الْبَيْعُ عَلَى الْبَتِّ فَإِتْلاَفُ الْبَائِعِ يُوجِبُ الْغُرْمَ لِلْمُشْتَرِي، كَانَ الضَّمَانُ مِنْهُ أَوْ مِنَ الْبَائِعِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الإِْتْلاَفُ عَمْدًا أَمْ خَطَأً (١) .
١٠ - وَإِذَا كَانَ الْبَيْعُ عَلَى الْخِيَارِ، فَالْخِيَارُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي، فَإِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ انْفَسَخَ الْبَيْعُ سَوَاءٌ أَكَانَ الإِْتْلاَفُ عَمْدًا أَمْ خَطَأً.
وَإِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي وَكَانَ إِتْلاَفُ الْبَائِعِ لِلْمَبِيعِ عَمْدًا ضَمِنَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي الأَْكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ أَوِ الْقِيمَةِ، لأَِنَّ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَخْتَارَ الرَّدَّ إِنْ كَانَ الثَّمَنُ أَكْثَرَ أَوِ الإِْمْضَاءَ إِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ إِتْلاَفُ الْبَائِعِ لِلْمَبِيعِ خَطَأً فَيَنْفَسِخُ الْبَيْعُ (٢) .
١١ - وَإِذَا تَلِفَ كُل الْمَبِيعِ بِفِعْل الْمُشْتَرِي فَلاَ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ وَعَلَيْهِ الثَّمَنُ، لأَِنَّهُ بِالإِْتْلاَفِ صَارَ قَابِضًا كُل الْمَبِيعِ، لأَِنَّهُ لاَ يُمْكِنُهُ إِتْلاَفُهُ إِلاَّ بَعْدَ إِثْبَاتِ يَدِهِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَعْنَى الْقَبْضِ فَيَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ الثَّمَنُ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْبَيْعُ بَاتًّا أَمْ بِالْخِيَارِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَقَصَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ الْحُكْمَ السَّابِقَ عَلَى
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٣٨، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٤٢، وحاشية الدسوقي ٣ / ١٥٠ - ١٥١، ومغني المحتاج ٢ / ٦٧، وكشاف القناع ٣ / ٢٤٣، والمغني ٤ / ١٢٣.
(٢) حاشية الدسوقي ٣ / ١٠٥.
الْبَيْعِ الْبَاتِّ، أَوْ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْمُشْتَرِي، لأَِنَّ خِيَارَ الْمُشْتَرِي لاَ يَمْنَعُ زَوَال الْبَيْعِ عَنْ مِلْكِ الْبَائِعِ بِلاَ خِلاَفٍ، فَلاَ يَمْنَعُ صِحَّةَ الْقَبْضِ، فَلاَ يَمْنَعُ تَقَرُّرَ الثَّمَنِ.
فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لِلْبَائِعِ فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ عَلَيْهِ ضَمَانَ مِثْلِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ وَقِيمَتِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ، لأَِنَّ خِيَارَ الْبَائِعِ يَمْنَعُ زَوَال السِّلْعَةِ عَنْ مِلْكِهِ بِلاَ خِلاَفٍ، فَكَانَ الْمَبِيعُ عَلَى حُكْمِ مِلْكِ الْبَائِعِ، وَمِلْكُهُ مَضْمُونٌ بِالْمِثْل أَوِ الْقِيمَةِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَضْمَنُ الأَْكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ، لأَِنَّهُ إِذَا كَانَ الثَّمَنُ أَكْثَرَ كَانَ لِلْبَائِعِ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ فِي زَمَنِ الْخِيَارِ لِمَا لَهُ فِيهِ مِنَ الْخِيَارِ، وَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَرُدَّ الْبَيْعَ لِمَا لَهُ فِيهِ مِنَ الْخِيَارِ وَيَأْخُذُ الْقِيمَةَ لاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ التَّلَفُ عَمْدًا أَوْ خَطَأً، إِلاَّ أَنْ يَحْلِفَ الْمُشْتَرِي أَنَّهُ ضَاعَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ أَوْ تَلِفَ بِغَيْرِ سَبَبِهِ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ الثَّمَنَ دُونَ الْتِفَاتٍ إِلَى الْقِيمَةِ. وَهَذَا إِذَا كَانَتِ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ، فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ أَكْثَرَ مِنَ الْقِيمَةِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهَا؛ ضَمِنَ الثَّمَنَ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ (١) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٣٨، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٤٢، وحاشية الدسوقي ٣ / ١٠٤ وما بعدها، ومغني المحتاج ٢ / ٦٦، وكشاف القناع ٣ / ٢٤٣ - ٢٤٤، والمغني ٤ / ١٢٣.
١٢ - وَإِذَا كَانَ التَّلَفُ بِفِعْل أَجْنَبِيٍّ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ - سَوَاءٌ أَكَانَ الإِْتْلاَفُ عَمْدًا أَمْ خَطَأً عِنْدَ مَنْ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا مِنَ الْفُقَهَاءِ - لأَِنَّهُ أَتْلَفَ مَالًا مَمْلُوكًا لِغَيْرِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَلاَ يَدَ لَهُ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِالْمِثْل أَوِ الْقِيمَةِ.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ فَيَعُودُ الْمَبِيعُ إِلَى مِلْكِ الْبَائِعِ فَيَتْبَعُ الْجَانِيَ فَيُضَمِّنُهُ، وَإِنْ شَاءَ اخْتَارَ الْبَيْعَ فَأَتْبَعَ الْجَانِيَ بِالضَّمَانِ وَأَتْبَعَهُ الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى مِثْل قَوْل الْجُمْهُورِ إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَوْ نَحْوَهُمَا. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ هَلَكَ عَلَى حِسَابِ الْمُشْتَرِي وَيَتْبَعُ الْمُتْلِفَ بِالضَّمَانِ (٢) .
تَلَفُ بَعْضِ الْمَبِيعِ قَبْل الْقَبْضِ:
١٣ - إِذَا تَلِفَ بَعْضُ الْمَبِيعِ قَبْل الْقَبْضِ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ فَسْخِ الْعَقْدِ وَالرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ، وَبَيْنَ قَبُولِهِ نَاقِصًا وَلاَ شَيْءَ لَهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْفَسْخِ. هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ مَكِيلًا أَوْ نَحْوَهُ. أَمَّا غَيْرُ الْمَكِيل وَنَحْوِهِ فَتَلَفُ بَعْضِهِ وَتَعَيُّبِهِ يَكُونُ عَلَى حِسَابِ الْمُشْتَرِي وَلاَ فَسْخَ.
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٣٨، ٢٣٩، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٤٢، وحاشية الدسوقي ٣ / ١٥٠، ومغني المحتاج ٢ / ٦٧، وكشاف القناع ٣ / ٢٤٣، والمغني لابن قدامة ٤ / ١٢٣.
(٢) كشاف القناع ٣ / ٢٤٤.
وَفَرَّقَ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ التَّلَفِ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ نُقْصَانُ قَدْرٍ، وَالتَّلَفُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ نُقْصَانُ وَصْفٍ. وَنُقْصَانُ الْوَصْفِ وَهُوَ كُل مَا يَدْخُل فِي الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةٍ، كَالشَّجَرِ وَالْبِنَاءِ فِي الأَْرْضِ وَأَطْرَافِ الْحَيَوَانِ وَالْجَوْدَةِ فِي الْمَكِيل وَالْمَوْزُونِ، فَخَصُّوا الْحُكْمَ السَّابِقَ بِنُقْصَانِ الْوَصْفِ دُونَ نُقْصَانِ الْقَدْرِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الأَْوْصَافَ لاَ حِصَّةَ لَهَا مِنَ الثَّمَنِ إِلاَّ إِذَا وَرَدَ عَلَيْهَا الْقَبْضُ أَوِ الْجِنَايَةُ، لأَِنَّهَا تَصِيرُ مَقْصُودَةً بِالْقَبْضِ أَوِ الْجِنَايَةِ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ التَّلَفُ قَدْ نَشَأَ عَنْهُ نُقْصَانُ قَدْرٍ - بِأَنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا أَوْ مَعْدُودًا - فَالْعَقْدُ يَنْفَسِخُ بِقَدْرِ الْهَالِكِ وَتَسْقُطُ حِصَّتُهُ مِنَ الثَّمَنِ، لأَِنَّ كُل قَدْرٍ مِنَ الْمُقَدَّرَاتِ مَعْقُودٌ عَلَيْهِ، فَيُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنَ الثَّمَنِ، وَهَلاَكُ كُل الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ يُوجِبُ انْفِسَاخَ الْبَيْعِ فِي الْكُل وَسُقُوطَ الثَّمَنِ.
فَهَلاَكُ بَعْضِهِ يُوجِبُ انْفِسَاخَ الْبَيْعِ وَسُقُوطَ الثَّمَنِ بِقَدْرِهِ، وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ فِي الْبَاقِي، إِنْ شَاءَ أَخَذَهُ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ لأَِنَّ الصَّفْقَةَ قَدْ تَفَرَّقَتْ عَلَيْهِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ الْبَاقِي بَعْدَ التَّلَفِ النِّصْفُ فَأَكْثَرُ لَزِمَ الْمُشْتَرِيَ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ وَيَرْجِعُ بِحِصَّةِ مَا تَلِفَ، وَذَلِكَ لأَِنَّ بَقَاءَ النِّصْفِ كَبَقَاءِ الْجُل (الأَْكْثَرِ) فَيَلْزَمُهُ، وَهَذَا فِي الْمَبِيعِ الْمُتَعَدِّدِ.
فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ مُتَّحِدًا (١) كَفَرَسٍ مَثَلًا وَبَقِيَ
_________
(١) أي لا يقبل التجزئة.
بَعْدَ التَّلَفِ النِّصْفُ فَأَكْثَرُ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ رَدِّ الْمَبِيعِ وَأَخْذِ ثَمَنِهِ، وَبَيْنَ التَّمَسُّكِ بِالْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ.
وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي بَعْدَ التَّلَفِ أَقَل مِنَ النِّصْفِ حَرُمَ التَّمَسُّكُ بِالْبَاقِي وَوَجَبَ رَدُّ الْمَبِيعِ وَأَخْذُ جَمِيعِ ثَمَنِهِ لاِخْتِلاَل الْبَيْعِ بِتَلَفِ جُل الْمَبِيعِ، فَتَمَسَّكَ الْمُشْتَرِي بِبَاقِيهِ كَإِنْشَاءِ عَقْدٍ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ، إِذْ لاَ يُعْلَمُ مَا يَخُصُّ الْبَاقِيَ إِلاَّ بَعْدَ تَقْوِيمِ الْجَمِيعِ، ثُمَّ النَّظَرُ فِيمَا يَخُصُّ كُل جُزْءٍ عَلَى انْفِرَادِهِ إِلاَّ الْمِثْلِيُّ فَلاَ يَحْرُمُ التَّمَسُّكُ بِالأَْقَل، بَل الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ فَسْخِ الْبَيْعِ وَبَيْنَ التَّمَسُّكِ بِالْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْمِثْلِيَّ مَنَابُهُ (مُقَابِلُهُ) مِنَ الثَّمَنِ مَعْلُومٌ، فَلَيْسَ التَّمَسُّكُ بِالْبَاقِي الْقَلِيل، كَإِنْشَاءِ عَقْدٍ بِثَمَنٍ مَجْهُولٍ، وَإِنَّمَا يَأْتِي هَذَا فِي الْمُقَوَّمِ (١) .
تَلَفُ بَعْضِ الْمَبِيعِ بِفِعْل الْبَائِعِ قَبْل الْقَبْضِ:
١٤ - أَمَّا إِذَا تَلِفَ بَعْضُ الْمَبِيعِ قَبْل الْقَبْضِ بِفِعْل الْبَائِعِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى بُطْلاَنِ الْبَيْعِ بِقَدْرِهِ وَيَسْقُطُ عَنِ الْمُشْتَرِي حِصَّةُ الْمَالِكِ مِنَ الثَّمَنِ سَوَاءٌ أَكَانَ النُّقْصَانُ نُقْصَانَ قِيمَةٍ أَمْ نُقْصَانَ وَصْفٍ - لأَِنَّ الأَْوْصَافَ لَهَا حِصَّةٌ مِنَ الثَّمَنِ عِنْدَ
_________
(١) بدائع الصنائع ٥ / ٢٣٩، ٢٤٠، وحاشية الدسوقي ٣ / ١٤٨، ١٤٩، ومغني المحتاج ٢ / ٦٨، وحواشي التحفة ٤ / ٤٠٠، وكشاف القناع ٣ / ٢٤٢، ٢٤٣، والمغني ٤ / ١٢٣، وابن عابدين ٣ / ٤٦.