الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣ الصفحة 39

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٣

قَوْل الْكَذِبِ وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَنَحْوِهَا وَقَوْل الإِْنْسَانِ بِلِسَانِهِ خِلاَفُ مَا فِي قَلْبِهِ كُل ذَلِكَ مُحَرَّمٌ وَالْكَاذِبُ مَثَلًا لاَ يَكْذِبُ إِلاَّ لِمَصْلَحَةٍ يَرْجُوهَا مِنْ وَرَاءِ كَذِبِهِ، وَلَوْ سُئِل لَقَال إِنَّمَا كَذَبْتُ لِغَرَضِ كَذَا وَكَذَا أُرِيدُ تَحْصِيلَهُ، فَلَوْ جَازَ الْكَذِبُ لِتَحْصِيل الْمَنْفَعَةِ لَعَادَ كُل كَذِبٍ مُبَاحًا وَيَكُونُ هَذَا قَلْبًا لأَِحْكَامِ الشَّرِيعَةِ وَإِخْرَاجًا لَهَا عَنْ وَضْعِهَا الَّذِي وُضِعَتْ عَلَيْهِ.

أَنْوَاعُ التَّقِيَّةِ:

٢٢ - التَّقِيَّةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ بِسَبَبِ إِكْرَاهٍ بِتَهْدِيدِ الْمُسْلِمِ بِمَا يَضُرُّهُ مِنْ تَعْذِيبٍ أَوْ نَحْوِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، إِنْ لَمْ يَفْعَل مَا طُلِبَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ لاَ تَكُونَ بِسَبَبِ إِكْرَاهٍ.

فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْهَا بِسَبَبِ إِكْرَاهٍ، وَقَدْ تَمَّتْ شُرُوطُهُ، فَإِنَّ مَا أَنْشَأَهُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ تَبَعًا لِذَلِكَ لاَ يَلْزَمُهُ، وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الْقَتْل لَمْ يَحِل لَهُ، وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى الزِّنَى لَمْ يَحِل لَهُ، فَإِنْ فَعَل فَلاَ حَدَّ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ، وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى النُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ جَازَ لَهُ ذَلِكَ. وَلاَ يُعْتَبَرُ مُرْتَدًّا. وَهَذَا إِجْمَالٌ يُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (إِكْرَاهٌ) .

أَمَّا التَّقِيَّةُ بِغَيْرِ سَبَبِ الإِْكْرَاهِ، بَل لِمُجَرَّدِ خَوْفِ الْمُسْلِمِ مِنْ أَنْ يَحِل بِهِ الأَْذَى مِنْ قَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ سِجْنٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ صُنُوفِ

الأَْذَى وَالضَّرَرِ فَهَذَا النَّوْعُ لاَ يَحِل بِهِ مَا يَحِل بِالإِْكْرَاهِ (١) . وَالتَّفْصِيل فِي إِكْرَاهٍ.

مَا تَحِل فِيهِ التَّقِيَّةُ:

٢٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا تَحِل فِيهِ التَّقِيَّةُ وَمَا لاَ تَحِل، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ التَّقِيَّةَ خَاصَّةً بِالْقَوْل، وَلاَ تَتَعَدَّى إِلَى الْفِعْل، وَعَلَيْهِ فَلاَ يُرَخَّصُ بِحَالٍ بِالسُّجُودِ لِصَنَمٍ أَوْ بِأَكْل لَحْمِ الْخِنْزِيرِ أَوْ بِزِنَى. وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ الأَْوْزَاعِيِّ وَسَحْنُونٍ.

وَذَهَبَ الأَْكْثَرُونَ إِلَى أَنَّ الإِْكْرَاهَ فِي الْقَوْل وَالْفِعْل سَوَاءٌ (٢) . وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ عَلَى تَفْصِيلٍ وَخِلاَفٍ يُعْرَفُ مِمَّا فِي بَحْثِ (إِكْرَاهٌ) وَمِنَ التَّفْصِيل التَّالِي

إِظْهَارُ الْكُفْرِ وَمُوَالاَةُ الْكُفَّارِ:

تَقَدَّمَ بَيَانُ جَوَازِهِ عِنْدَ خَوْفِ الْقَتْل وَالإِْيذَاءِ الْعَظِيمِ، وَأَنَّ الصَّبْرَ عَلَى الأَْذَى فِيهِ أَفْضَل مِنَ ارْتِكَابِهِ تَقِيَّةً. وَقَدْ تَكُونُ التَّقِيَّةُ بِإِظْهَارِ الْمُوَالاَةِ وَلَوْ لَمْ يُكْرَهْ عَلَى النُّطْقِ بِالْكُفْرِ لَكِنْ يَخَافُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ إِنْ أَظْهَرَ لَهُمُ الْعَدَاءَ، قَال الرَّازِيُّ: بِأَنْ لاَ يُظْهِرَ لَهُمُ الْعَدَاوَةَ بِاللِّسَانِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُظْهِرَ

_________

(١) الهداية وتكملة فتح القدير ٧ / ٢٩٢، ٢٩٣ القاهرة. المطبعة الميمنية ١٣١٩ هـ، ورد المحتار ٥ / ٨٠ ط بولاق.

(٢) فتح الباري ١٢ / ٣١٤.

الْكَلاَمَ الْمُوهِمَ لِلْمَحَبَّةِ وَالْمُوَالاَةِ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يُضْمِرَ خِلاَفَهُ وَأَنْ يُعَرِّضَ فِي كُل مَا يَقُول، فَإِنَّ التَّقِيَّةَ تَأْثِيرُهَا فِي الظَّاهِرِ لاَ فِي أَحْوَال الْقُلُوبِ (١) .

وَلَوْ أُكْرِهَ عَلَى كُفْرٍ فِعْلِيٍّ كَالسُّجُودِ لِصَنَمٍ أَوْ إِهَانَةِ مُصْحَفٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرَخَّصُ لَهُ فِي فِعْلِهِ تَقِيَّةً، قَال ابْنُ حَجَرٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ﴾ قَال: الْكُفْرُ يَكُونُ بِالْقَوْل وَالْفِعْل مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادٍ وَقَدْ يَكُونُ بِاعْتِقَادٍ، فَاسْتَثْنَى الأَْوَّل وَهُوَ الْمُكْرَهُ (٢) .

أَكْل لَحْمِ الْمَيْتَةِ وَنَحْوِهِ:

٢٤ - يُبَاحُ لِلْمُكْرَهِ شُرْبُ الْخَمْرِ وَأَكْل لَحْمِ الْمَيْتَةِ أَوْ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَذَلِكَ عَلَى سَبِيل التَّقِيَّةِ إِذَا وُجِدَتْ شُرُوطُهَا لأَِنَّ حُرْمَةَ هَذِهِ الأَْشْيَاءِ ثَابِتَةٌ بِالشَّرْعِ، وَهِيَ مُفْسِدَةٌ فِي حَال الاِخْتِيَارِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اسْتَثْنَى حَال الضَّرُورَةِ مِنَ التَّحْرِيمِ بِقَوْلِهِ ﷿ ﴿إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ فَظَهَرَ أَنَّ التَّحْرِيمَ مَخْصُوصٌ بِحَالَةِ الاِخْتِيَارِ، وَقَدْ تَحَقَّقَتِ الضَّرُورَةُ هُنَا لِخَوْفِ التَّلَفِ عَلَى نَفْسِهِ بِسَبَبِ الإِْكْرَاهِ. . فَإِنْ لَمْ يَفْعَل حَتَّى قُتِل يَكُونُ آثِمًا. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لاَ يَكُونُ آثِمًا (٣) .

_________

(١) تفسير الرازي ٨ / ١٤.

(٢) فتح الباري ١٢ / ٣١٤.

(٣) المبسوط ٢٤ / ٤٨، وفتح الباري ١٢ / ٣١٤.

التَّقِيَّةُ فِي بَعْضِ أَفْعَال الصَّلاَةِ:

٢٥ - إِنْ خَافَ الْمُصَلِّي عَلَى نَفْسِهِ عَدُوًّا يَرَاهُ إِذَا قَامَ وَلاَ يَرَاهُ إِذَا قَعَدَ جَازَتْ صَلاَتُهُ قَاعِدًا وَسَقَطَ عَنْهُ فَرْضُ الْقِيَامِ (١) . وَكَذَا الأَْسِيرُ لَدَى الْكُفَّارِ إِنْ خَافَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ إِنْ رَأَوْهُ يُصَلِّي فَإِنَّهُ يُصَلِّي كَيْفَمَا أَمْكَنَهُ، قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ مُسْتَلْقِيًا، إِلَى الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا، بِالإِْيمَاءِ حَضَرًا أَوْ سَفَرًا، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ (٢) وَمِثْلُهُ الْمُخْتَبِئُ فِي مَكَانٍ يَخَافُ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ الْعَدُوُّ إِنْ خَرَجَ وَلاَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي مَكَانِهِ عَلَى صِفَةِ الْكَمَال.

وَلَوْ خَافَ الْمُصَلِّي مِنْ عَدُوِّهِ الضَّرَرَ إِنْ رَآهُ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ فَلَهُ أَنْ يُومِئَ بِطَرَفِهِ وَيَنْوِيَ بِقَلْبِهِ (٣) .

وَالْحَنَابِلَةُ لاَ يَرَوْنَ الصَّلاَةَ خَلْفَ الْمُبْتَدِعِ وَالْفَاسِقِ فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ وَعِيدٍ يُصَلِّيَانِ بِمَكَانٍ وَاحِدٍ مِنَ الْبَلَدِ، فَإِنْ خَافَ مِنْهُ إِنْ تَرَكَ الصَّلاَةَ خَلْفَهُ فَإِنَّهُ يُصَلِّي خَلْفَهُ تَقِيَّةً ثُمَّ يُعِيدُ الصَّلاَةَ. وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ

_________

(١) كشاف القناع ١ / ٣٨٥.

(٢) حديث: " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ". أخرجه البخاري (١٣ / ٢٥١ ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٩٧٥ ط عيسى الحلبي)، واللفظ للبخاري من حديث أبي هريرة.

(٣) كشاف القناع ١ / ٤٩٥ - ٤٩٩، والمغني ١ / ٦٣٠، ٢ / ١٨٨.

عَلَى مِنْبَرِهِ يَقُول لاَ تَؤُمَّنَّ امْرَأَةٌ رَجُلًا، وَلاَ فَاجِرٌ مُؤْمِنًا، إِلاَّ أَنْ يَقْهَرَهُ بِسُلْطَانٍ أَوْ يَخَافَ سَوْطَهُ أَوْ سَيْفَهُ (١) . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ حِيلَةً فِي تِلْكَ الْحَال يُمْكِنُ اعْتِبَارُهَا مِنَ التَّقِيَّةِ لِمَا فِيهَا مِنَ الاِسْتِتَارِ، وَهِيَ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَهُ بِنِيَّةِ الاِنْفِرَادِ، فَيُوَافِقُ الإِْمَامَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ، فَتَصِحُّ صَلاَتُهُ لأَِنَّهُ أَتَى بِأَفْعَال الصَّلاَةِ وَشُرُوطِهَا عَلَى الْكَمَال، فَلاَ تَفْسُدُ بِمُوَافَقَةِ غَيْرِهِ فِي الأَْفْعَال (٢) .

التَّقِيَّةُ فِي الْبَيْعِ وَغَيْرِهِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ:

٢٦ - إِذَا خَافَ عَلَى مَالِهِ مِنْ ظَالِمٍ يَغْصِبُهُ، فَيُوَاطِئُ رَجُلًا عَلَى أَنْ يُظْهِرَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْهُ لِيَحْتَمِيَ بِذَلِكَ وَلاَ يُرِيدَانِ بَيْعًا حَقِيقِيًّا. وَهَذَا الْبَيْعُ صَحِيحٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَبَاطِلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ.

أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فَفِي تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ: يَجُوزُ الاِسْتِرْعَاءُ فِي الْبَيْعِ وَهُوَ أَنْ يُشْهِدَ قَبْل الْبَيْعِ أَنِّي إِنْ بِعْتُ هَذِهِ الدَّارَ فَإِنَّمَا أَبِيعُهَا لأَِمْرٍ أَخَافُهُ مِنْ قِبَل ظَالِمٍ أَوْ غَاصِبٍ، وَلاَ يَثْبُتُ الاِسْتِرْعَاءُ فِي هَذِهِ الْحَال إِلاَّ إِنْ كَانَ الشُّهُودُ يَعْرِفُونَ الإِْكْرَاهَ

_________

(١) حديث: " لا تؤمن امرأة رجلا، ولا فاجر مؤمنا، إلا أن. . . " أخرجه ابن ماجه (١ / ٣٤٣ ط عيسى الحلبي) . من حديث جابر بن عبد الله. قال الحافظ البوصيري في الزوائد. هذا إسناد ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان وعبد الله بن محمد العدوي.

(٢) المغني ٢ / ١٨٦، ١٩٢.

عَلَى الْبَيْعِ وَالإِْخَافَةَ الَّتِي يَذْكُرُهَا (١)

وَالاِسْتِرْعَاءُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يَصِحُّ وَيُفِيدُ صَاحِبَهُ فِي كُل تَصَرُّفٍ تَطَوُّعِيٍّ كَالطَّلاَقِ وَالْوَقْفِ وَالْهِبَةِ. فَإِنْ فَعَل لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُنَفِّذَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الشُّهُودُ السَّبَبَ، بِخِلاَفِ مَسْأَلَةِ الْبَيْعِ، إِذِ الْمُبَايَعَةُ خِلاَفُ مَا يُتَطَوَّعُ بِهِ وَقَدْ أَخَذَ الْبَائِعُ فِيهِ ثَمَنًا وَفِي ذَلِكَ حَقٌّ لِلْمُبْتَاعِ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مَنِ اسْتُرْعِيَ فِي وَقْفٍ عَلَى تَقِيَّةٍ اتَّقَاهَا ثُمَّ أَشْهَدَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى إِمْضَائِهِ جَازَ لأَِنَّهُ لَمْ يَزَل عَلَى مِلْكِهِ.

وَإِنِ اسْتَرْعَى أَنَّهُ يَتْرُكُ حَقَّهُ فِي الشُّفْعَةِ خَوْفًا مِنْ إِضْرَارِ الْمُشْتَرِي وَلَهُ سُلْطَانٌ وَقُدْرَةٌ، وَأَنَّهُ غَيْرُ تَارِكٍ لِطَلَبِهِ مَتَى أَمْكَنَهُ نَفَعَهُ ذَلِكَ. ثُمَّ إِذَا ذَهَبَتِ التَّقِيَّةُ وَقَامَ مِنْ فَوْرِهِ بِالْمُطَالَبَةِ قُضِيَ لَهُ.

وَاخْتَلَفُوا إِذَا سَكَتَ عَنِ الْمُطَالَبَةِ بَعْدَ زَوَال مَا يَتَّقِيهِ، وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ لاَ يَكُونُ لَهُ الْمُطَالَبَةُ؛ لأَِنَّهُ مَتَى زَال فَكَأَنَّ الْبَيْعَ وَقَعَ حِينَئِذٍ.

وَيَجِبُ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ شُهُودِ الاِسْتِرْعَاءِ، وَأَقَلُّهُمْ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَرْبَعَةُ شُهُودٍ (٢) . وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (بَيْعُ التَّلْجِئَةِ) .

التَّقِيَّةُ فِي بَيَانِ الشَّرِيعَةِ وَالْحُكْمِ بِهَا:

٢٧ - بَيَانُ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَالأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ

_________

(١) المغني ٤ / ٢١٤، والإنصاف ٤ / ٢٦٥، وكشاف القناع ٣ / ١٥٠، وتبصرة الحكام لابن فرحون ٢ / ٥.

(٢) تبصرة الحكام ٢ / ٣ - ٥.

وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ فِي الأَْصْل وَاجِبَةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، وَإِذَا خَافَ الْمُسْلِمُ ضَرَرًا يَلْحَقُهُ مِنْ ذَلِكَ جَازَ لَهُ أَنْ يَنْتَقِل مِنَ الأَْمْرِ وَالإِْنْكَارِ بِالْيَدِ إِلَى الأَْمْرِ وَالإِْنْكَارِ بِاللِّسَانِ، فَإِنْ خَافَ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا جَازَ لَهُ أَنْ يَنْتَقِل إِلَى السُّكُوتِ عَنِ الْمُنْكَرِ مَعَ الإِْنْكَارِ بِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِْيمَانِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْوَارِدِ، وَذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ التَّقِيَّةِ. عَلَى أَنَّ الأَْمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ حَيْثُ يُشْرَعُ التَّغْيِيرُ بِالْيَدِ ثُمَّ الإِْنْكَارُ بِاللِّسَانِ، مَعَ خَوْفِ الضَّرَرِ، أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ السُّكُوتِ، إِذْ إِنَّ ذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ الْجِهَادِ. وَقَدْ قَال اللَّهُ تَعَالَى فِي حِكَايَةِ قَوْل لُقْمَانَ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُْمُورِ﴾ (١) وَفِي الْحَدِيثِ: أَفْضَل الشُّهَدَاءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ثُمَّ رَجُلٌ قَامَ إِلَى إِمَامٍ جَائِرٍ فَأَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَقُتِل (٢) .

٢٨ - وَتَعْظُمُ دَرَجَةُ الآْمِرِ وَالنَّاهِي إِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، بِأَنْ نَكَل عَنِ الْبَيَانِ مَنْ سِوَاهُ، حَتَّى عَمَّ الْمُنْكَرُ وَظَهَرَ، وَخَاصَّةً فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّلْبِيسِ فِي الدِّينِ وَطَمْسِ، مَعَالِمِهِ، فَلَوْ أَخَذَ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ بِالتَّقِيَّةِ، وَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِوَاجِبِ الْبَيَانِ لَظَهَرَتِ الْبِدْعَةُ

_________

(١) سورة لقمان / ١٧.

(٢) حديث: " أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ثم رجل قام إلى. . . " أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ (٦ / ٣٧٧ ط السعادة) من حديث جابر بن عبد الله وإسناده حسن.

وَعَمَّتْ، وَتَبَدَّلَتِ الشَّرِيعَةُ فِي أَعْيُنِ النَّاسِ

وَقَدْ أُخِذَ الْعُلَمَاءُ فِي عَهْدِ الْمَأْمُونِ وَالْمُعْتَصِمِ وَامْتُحِنُوا لِيَقُولُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَكَانَ ذَلِكَ بِمَشُورَةٍ مِنْ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ. فَلَمَّا هُدِّدَ الْعُلَمَاءُ وَأُوذُوا قَالُوا بِذَلِكَ فَتُرِكُوا، وَلَمْ يَثْبُتْ مِنْهُمْ فِي الْمِحْنَةِ إِلاَّ أَرْبَعَةٌ أَوْ خَمْسَةٌ مَاتَ بَعْضُهُمْ فِي السِّجْنِ (١) .

وَنُقِل عَنْ أَحْمَدَ أَيَّامَ مِحْنَتِهِ فِي خَلْقِ الْقُرْآنِ أَنَّهُ سُئِل: إِنْ عُرِضْتَ عَلَى السَّيْفِ تُجِيبُ؟ قَال: لاَ، وَقَال: إِذَا أَجَابَ الْعَالِمُ تَقِيَّةً، وَالْجَاهِل يَجْهَل، فَمَتَى يَتَبَيَّنُ الْحَقُّ؟ (٢) .

وَكَانَ أَبُو يَعْقُوبَ الْبُوَيْطِيُّ صَاحِبُ الإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ مِمَّنِ امْتُحِنَ فَصَبَرَ كَذَلِكَ وَلَمْ يُجِبْ إِلَى مَا طَلَبُوهُ مِنْهُ فِي فِتْنَةِ الْقَوْل بِخَلْقِ الْقُرْآنِ، لَمَّا وُشِيَ بِهِ. وَقَدْ قَال لَهُ أَمِيرُ مِصْرَ الَّذِي كُلِّفَ بِمِحْنَتِهِ: قُل فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ. قَال: إِنَّهُ يَقْتَدِي بِي مِائَةُ أَلْفٍ وَلاَ يَدْرُونَ مَا الْمَعْنَى. وَقَدْ أَمَرَ بِحَمْلِهِ مِنْ مِصْرَ إِلَى بَغْدَادَ فِي الْحَدِيدِ، وَمَاتَ فِي السِّجْنِ بِبَغْدَادَ فِي الْقَيْدِ وَالْغُل ﵀ (٣)

وَكَانَ لِثَبَاتِ أَحْمَدَ وَالْبُوَيْطِيِّ وَمَنْ مَعَهُمَا أَثَرُهُ فِي

_________

(١) البداية والنهاية لابن كثير ١٠ / ٣٣٤، ٣٣٥ القاهرة، مطبعة السعادة.

(٢) أحمد محمد شاكر، في تعليق على دائرة المعارف الإسلامية، الطبعة المترجمة إلى العربية مادة: " تقية "

(٣) طبقات الشافعية للسبكي ١ / ٢٧٦، ٢٧٧ بيروت، دار المعرفة بالتصويري عن الطبعة المصرية القديمة.

تَرَاجُعِ الْخِلاَفَةِ عَنْ ذَلِكَ الْمَنْهَجِ، وَانْكَسَرَتْ بِسَبَبِ ذَلِكَ شَوْكَةُ الْمُعْتَزِلَةِ.

٢٩ - وَلَيْسَ لِلْعَالِمِ أَنْ يَنْطِقَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَهُوَ يَعْلَمُ، وَلاَ رُخْصَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيل التَّقِيَّةِ مُطْلَقًا، إِنْ كَانَ السُّكُوتُ كَافِيًا لِنَجَاتِهِ، لِعَدَمِ تَحَقُّقِ شَرْطِ جَوَازِ التَّقِيَّةِ حِينَئِذٍ.

وَفِي ذَلِكَ مِنَ الْمَحْذُورِ أَيْضًا الْخَوْفُ مِنْ أَنْ يَخْفَى الْحَقُّ عَلَى الْجَاهِلِينَ أَوْ يَضْعُفَ إِيمَانُهُمْ وَيَحْجُمُوا عَنْ نَصْرِ حَقِّهِمُ اقْتِدَاءً بِمَنْ أَجَابَ تَقِيَّةً فَيَظُنُّوا جَوَابَهُ هُوَ الْجَوَابُ، وَهُمْ غَافِلُونَ عَنْ مُرَادِهِ وَأَنَّهُ قَصَدَ التَّقِيَّةَ.

مَا يَنْبَغِي لِلآْخِذِ بِالتَّقِيَّةِ أَنْ يُرَاعِيَهُ:

يَنْبَغِي لِمَنْ يَأْخُذُ بِالتَّقِيَّةِ أَنْ يُلاَحِظَ أُمُورًا:

٣٠ - مِنْهَا: أَنَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ مُخَلِّصٌ غَيْرُ ارْتِكَابِ الْحَرَامِ، فَيَجِبُ أَنْ يَلْجَأَ إِلَيْهِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يُوَرِّيَ، كَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى شَتْمِ النَّبِيِّ ﷺ وَكَرَّمَ وَشَرَّفَ، فَيَنْوِيَ مُحَمَّدًا آخَرَ فَإِنْ خَطَرَتْ بِبَالِهِ التَّوْرِيَةُ وَتَرَكَهَا لَمْ تَكُنِ التَّقِيَّةُ عُذْرًا لَهُ، وَيُعْتَبَرُ كَافِرًا (١) .

٣١ - وَمِنْهَا: أَنْ يُلاَحِظَ عَدَمَ الاِنْسِيَاقِ مَعَ الرُّخْصَةِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ حَدِّ التَّقِيَّةِ إِلَى حَدِّ الاِنْحِلاَل بِارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ بَعْدَ انْقِضَاءِ

_________

(١) المبسوط للسرخسي ٢٤ / ١٣٠، ١٣١، وينظر الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ٣٦٨.

الضَّرُورَةِ، وَأَصْل ذَلِكَ مَا قَال اللَّهُ تَعَالَى فِي شَأْنِ الْمُضْطَرِّ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) فُسِّرَ الْبَاغِي بِمَنْ أَكَل الْحَرَامَ وَهُوَ يَجِدُ الْحَلاَل، وَفُسِّرَ الْعَادِي بِمَنْ أَكَل مِنَ الْحَرَامِ فَوْقَ مَا تَقْتَضِيهِ الضَّرُورَةُ.

وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَأْنِ التَّقِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَال ﴿لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَل ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٢) فَحَذَّرَ تَعَالَى مِنْ نَفْسِهِ لِئَلاَّ يَغْتَرَّ الْمُتَّقِي وَيَتَمَادَى. ثُمَّ قَال فِي الآْيَةِ التَّالِيَةِ ﴿قُل إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ (٣) فَنَبَّهَ عَلَى عِلْمِهِ بِمَا يُضْمِرُهُ مُرْتَكِبُ الْحَرَامِ بِمُوَالاَةِ الْكُفَّارِ أَنَّهُ هَل يَفْعَلُهُ تَقِيَّةً أَوْ مُوَافَقَةً. قَال الرَّازِيُّ: إِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا نَهَى عَنِ اتِّخَاذِ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَاسْتَثْنَى التَّقِيَّةَ فِي الظَّاهِرِ، أَتْبَعَ ذَلِكَ بِالْوَعِيدِ عَلَى أَنْ يَصِيرَ الْبَاطِنُ مُوَافِقًا لِلظَّاهِرِ فِي وَقْتِ التَّقِيَّةِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ مَنْ أَقْدَمَ عِنْدَ التَّقِيَّةِ عَلَى إِظْهَارِ الْمُوَالاَةِ، فَقَدْ يَصِيرُ إِقْدَامُهُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْل بِحَسَبِ الظَّاهِرِ سَبَبًا لِحُصُول تِلْكَ الْمُوَالاَةِ فِي الْبَاطِنِ وَهَذَا الْوُقُوعُ فِي الْحَرَامِ وَعَدَمِ الْمُبَالاَةِ بِهِ، الَّذِي أَوَّلُهُ التَّرَخُّصُ عَلَى سَبِيل التَّقِيَّةِ، وَآخِرُهُ

_________

(١) سورة الأنعام / ١٤٥.

(٢) سورة آل عمران / ٢٨.

(٣) سورة آل عمران / ٢٩.