الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٢
وَمَعْنَى الْيَمِينِ فِي اللُّغَةِ: الْجِهَةُ وَالْجَارِحَةُ وَالْقُوَّةُ وَالشِّدَّةُ، وَيُسَمَّى بِهِ الْحَلِفُ مَجَازًا (١) . وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَهِيَ: عِبَارَةٌ عَنْ عَقْدٍ قَوِيٍّ بِهِ عَزَمَ الْحَالِفُ عَلَى الْفِعْل أَوِ التَّرْكِ. وَقَال الْبُهُوتِيُّ: إِنَّهَا تَوْكِيدُ الْحُكْمِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِذِكْرٍ مُعَظَّمٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ.
وَبَيْنَ التَّعْلِيقِ وَالْيَمِينِ تَشَابُهٌ؛ لأَِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِيهِ حَمْلٌ لِلنَّفْسِ عَلَى فِعْل الشَّيْءِ أَوْ تَرْكِهِ، وَمَا سُمِّيَ الْحَلِفُ بِاللَّهِ تَعَالَى يَمِينًا إِلاَّ لإِِفَادَتِهِ الْقُوَّةَ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ مِنَ الْفِعْل أَوِ التَّرْكِ.
وَالْيَمِينُ تَنْقَسِمُ بِحَسَبِ صِيغَتِهَا إِلَى يَمِينٍ مُنَجَّزَةٍ بِالصِّيغَةِ الأَْصْلِيَّةِ لِلْيَمِينِ، نَحْوُ: وَاللَّهِ لأَفْعَلَن. وَيَمِينٌ بِالتَّعْلِيقِ، وَهِيَ: أَنْ يُرَتِّبَ الْمُتَكَلِّمُ جَزَاءً مَكْرُوهًا لَهُ فِي حَالَةِ مُخَالَفَةِ الْوَاقِعِ، أَوْ تَخَلُّفِ الْمَقْصُودِ (٢) .
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (أَيْمَانٌ) (٣)
صِيغَةُ التَّعْلِيقِ:
٥ - يَكُونُ التَّعْلِيقُ بِكُل مَا يَدُل عَلَى رَبْطِ حُصُول مَضْمُونِ جُمْلَةٍ بِحُصُول مَضْمُونِ جُمْلَةٍ أُخْرَى، سَوَاءٌ أَكَانَ ذَلِكَ الرَّبْطُ بِأَدَاةٍ مِنْ أَدَوَاتِ
_________
(١) المصباح المنير.
(٢) ابن عابدين ٣ / ٤٥ ط المصرية، وجواهر الإكليل ١ / ٢٢٤ ط دار المعرفة، وحاشية قليوبي ٤ / ٢٧٠، وكشاف القناع ٦ / ٢٢٨ النصر.
(٣) الموسوعة الفقهية ج ٧ / ٢٤٧.
الشَّرْطِ، أَمْ بِغَيْرِهَا مِمَّا يَقُومُ مَقَامَهَا، كَمَا لَوْ دَل سِيَاقُ الْكَلاَمِ عَلَى الاِرْتِبَاطِ دَلاَلَةَ كَلِمَةِ الشَّرْطِ عَلَيْهِ.
وَمِثَال الرَّبْطِ بَيْنَ جُمْلَتَيِ التَّعْلِيقِ بِأَدَاةٍ مِنْ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ: قَوْل الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ: إِنْ دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَقَدْ رَتَّبَ وُقُوعَ الطَّلاَقِ عَلَى دُخُولِهَا الدَّارَ، فَإِنْ دَخَلَتْ وَقَعَ الطَّلاَقُ، وَإِلاَّ فَلاَ. وَمِثَال الرَّبْطِ بَيْنَ جُمْلَتَيِ التَّعْلِيقِ بِلاَ أَدَاةِ شَرْطٍ: هُوَ قَوْل الْقَائِل مَثَلًا: الرِّبْحُ الَّذِي سَيَعُودُ إِلَيَّ مِنْ تِجَارَتِي هَذَا الْعَامِ وَقْفٌ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَقَدْ رَتَّبَ حُصُول الْوَقْفِ عَلَى حُصُول الرِّبْحِ بِلاَ أَدَاةِ شَرْطٍ؛ لأَِنَّ مِثْل هَذَا الأُْسْلُوبِ يَقُومُ مَقَامَ أَدَاةِ الشَّرْطِ (١) .
وَالْمُرَادُ بِالشَّرْطِ الَّذِي تُسْتَعْمَل فِيهِ أَدَاتُهُ لِلرَّبْطِ بَيْنَ جُمْلَتَيِ التَّعْلِيقِ: الشَّرْطُ اللُّغَوِيُّ؛ لأَِنَّ ارْتِبَاطَ الْجُمْلَتَيْنِ النَّاشِئَ عَنْهُ كَارْتِبَاطِ الْمُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ (٢) .
أَدَوَاتُ التَّعْلِيقِ:
٦ - الْمُرَادُ بِهَا: كُل أَدَاةٍ تَدُل عَلَى رَبْطِ حُصُول مَضْمُونٍ بِحُصُول مَضْمُونِ جُمْلَةٍ أُخْرَى، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مِنْ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ الْجَازِمَةِ أَمْ مِنْ غَيْرِهَا. وَتِلْكَ الأَْدَوَاتُ كَمَا جَاءَ فِي الْمُغْنِي عِنْدَ الْكَلاَمِ
_________
(١) تبيين الحقائق ٢ / ٢٣٣ ط دار المعرفة.
(٢) الفروق للقرافي ١ / ٦٠، ٦١ ط دار إحياء الكتب العربية.
عَلَى تَعْلِيقِ الطَّلاَقِ بِالشَّرْطِ، (إِنْ) (وَإِذَا) (وَمَتَى) (وَمَنْ) (وَأَيْ) وَ(كُلَّمَا) .
وَزَادَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ (مَتَى مَا) (وَمَهْمَا) . وَزَادَ صَاحِبُ مُسْلِمٍ الثُّبُوتَ (لَوْ) (وَكَيْفَ) . (١)
وَزَادَ السَّرَخْسِيُّ فِي أُصُولِهِ وَالْبَزْدَوِيُّ فِي أُصُولِهِ وَصَاحِبُ فَتْحِ الْغَفَّارِ وَصَاحِبُ كَشَّافِ الْقِنَاعِ (حَيْثُ)، وَذَكَرَ صَاحِبُ فَتْحِ الْغَفَّارِ وَصَاحِبُ كَشَّافِ الْقِنَاعِ أَيْضًا أَنْ (أَيْنَ) مِنْ صِيَغِ التَّعْلِيقِ.
وَزَادَ صَاحِبُ كَشَّافِ الْقِنَاعِ أَيْضًا (أَنَّى) وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ (إِنْ) .
وَفِيمَا يَلِي بَعْضُ مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ فِي كُل أَدَاةٍ مِنْ هَذِهِ الأَْدَوَاتِ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةُ وَمِنْ حَيْثُ التَّعْلِيقُ.
أ - إِنْ:
٧ - إِنِ الشَّرْطِيَّةُ هِيَ الْمُسْتَعْمَلَةُ فِي الرَّبْطِ بَيْنَ جُمْلَتَيِ التَّعْلِيقِ، فَإِنَّهَا أَصْلٌ فِي التَّعْلِيقِ وَفِي حُرُوفِ الشَّرْطِ وَأَدَوَاتِهِ، لِتَمَحُّضِهَا لِلتَّعْلِيقِ وَالشَّرْطِ، فَلَيْسَ لَهَا مَعْنًى آخَرُ سِوَى الشَّرْطِ وَالتَّعْلِيقِ، بِخِلاَفِ غَيْرِهَا مِنْ أَدَوَاتِ الشَّرْطِ
_________
(١) المغني لابن قدامة ٧ / ١٩٣ ط الرياض، والروضة ٨ / ١٢٨ ط المكتب الإسلامي، ومسلم الثبوت ١ / ٢٤٨، ٢٤٩ دار صادر.
كَإِذَا وَمَتَى، فَإِنَّ لَهَا مَعَانِيَ أُخْرَى تُسْتَعْمَل فِيهَا إِلَى جَانِبِ الشَّرْطِ. (١)
وَتُسْتَعْمَل إِنْ وَغَيْرُهَا مِنَ الأَْدَوَاتِ الْجَازِمَةِ الْمُشَابِهَةِ لَهَا فِي أَمْرٍ مُتَرَدِّدٍ عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ، أَيْ: بَيْنَ أَنْ يَكُونَ وَأَنْ لاَ يَكُونَ. وَلاَ تُسْتَعْمَل فِيمَا هُوَ قَطْعِيُّ الْوُجُودِ، أَوْ قَطْعِيُّ الاِنْتِفَاءِ، إِلاَّ عَلَى تَنْزِيلِهِمَا مَنْزِلَةَ الْمَشْكُوكِ لِنُكْتَةٍ. (٢)
٨ - وَيَتَرَتَّبُ عَلَى كَوْنِ (إِنْ) لِلشَّرْطِ الْمَحْضِ: أَنَّهُ لَوْ عَلَّقَ طَلاَقَ امْرَأَتِهِ بِعَدَمِ تَطْلِيقِهِ لَهَا، بِأَنْ قَال: إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى يَمُوتَ أَحَدُهُمَا قَبْل أَنْ يُطَلِّقَهَا؛ لأَِنَّ إِنْ لِلشَّرْطِ، وَأَنَّهُ جَعَل عَدَمَ إِيقَاعِ الطَّلاَقِ عَلَيْهَا شَرْطًا، وَلاَ يُتَيَقَّنُ وُجُودُ هَذَا الشَّرْطِ مَا بَقِيَا حَيَّيْنِ، فَهُوَ كَقَوْلِهِ: إِنْ لَمْ آتِ الْبَصْرَةَ فَأَنْتِ طَالِقٌ. ثُمَّ إِنْ مَاتَ الزَّوْجُ وَقَعَ الطَّلاَقُ عَلَيْهَا قَبْل مَوْتِهِ بِقَلِيلٍ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ الْقَلِيل حَدٌّ مَعْرُوفٌ. وَلَكِنْ قُبَيْل مَوْتِهِ يَتَحَقَّقُ عَجْزُهُ عَنْ إِيقَاعِ الطَّلاَقِ عَلَيْهَا، فَيَتَحَقَّقُ شَرْطُ الْحِنْثِ. فَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُل بِهَا فَلاَ
_________
(١) مغني اللبيب ١ / ١٧ - ٢٤ ط دار الفكر بدمشق، وفتح الغفار ٢ / ٣٥ ط الحلبي، وبدائع الصنائع ٣ / ٢١ ط الجمالية، وكشف الأسرار للبزدوي ٢ / ١٩٢ ط دار الكتاب العربي.
(٢) التلويح على التوضيح ١ / ١٢٠ ط صبيح، وتيسير التحرير ٢ / ١٢٠ ط الحلبي، وأصول السرخسي ١ / ٢٣١ ط دار الكتاب العربي، ومسلم الثبوت ١ / ٢٤٨ ط دار صادر، وكشف الأسرار للبزدوي ٢ / ١٩٣ ط دار الكتاب العربي، والقرطبي ٥ / ٤٠٣ ط دار الكتب المصرية.
مِيرَاثَ لَهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ دَخَل بِهَا، فَلَهَا الْمِيرَاثُ بِحُكْمِ الْفِرَارِ. (١) وَإِنْ مَاتَتِ الْمَرْأَةُ تَطْلُقُ أَيْضًا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ بِلاَ فَصْلٍ - كَمَا فِي أُصُول السَّرَخْسِيِّ - لأَِنَّ فِعْل التَّطْلِيقِ لاَ يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الْمَحَل، وَبِفَوَاتِ الْمَحَل يَتَحَقَّقُ الشَّرْطُ.
وَذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ أَنَّهُ لَوْ عَلَّقَ الطَّلاَقَ بِالنَّفْيِ بِإِحْدَى كَلِمَاتِ الشَّرْطِ، كَانَتْ (إِنْ) عَلَى التَّرَاخِي، وَأَمَّا غَيْرُهَا (كَمَتَى وَمَنْ وَكُلَّمَا وَأَيُّ) فَإِنَّهُ يَكُونُ عَلَى الْفَوْرِ. (٢)
وَالتَّفْصِيل مَحَلُّهُ مُصْطَلَحُ: (طَلاَقٌ) .
ب - إِذَا:
٩ - (إِذَا) تَرِدُ فِي اللُّغَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ لِلْمُفَاجَأَةِ، فَتَخْتَصُّ بِالْجُمَل الاِسْمِيَّةِ، وَلاَ تَحْتَاجُ إِلَى جَوَابٍ، وَلاَ تَقَعُ فِي الاِبْتِدَاءِ، وَمَعْنَاهَا الْحَال لاَ الاِسْتِقْبَال.
ثَانِيهِمَا: أَنْ تَكُونَ لِغَيْرِ مُفَاجَأَةٍ، فَالْغَالِبُ أَنْ تَكُونَ ظَرْفًا لِلْمُسْتَقْبَل مُضَمَّنَةً مَعْنَى الشَّرْطِ. (٣)
وَخُلاَصَةُ الْقَوْل فِي إِذَا: أَنَّهَا تُسْتَعْمَل عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ فِي مَعْنَى الْوَقْتِ، وَفِي مَعْنَى الشَّرْطِ،
_________
(١) كشف الأسرار للبزدوي ٢ / ١٩٣.
(٢) أصول السرخسي ١ / ٢٣١ ط دار الكتاب العربي، والمغني ٧ / ١٩٣، والقليوبي ٣ / ٣٥٢.
(٣) مغني اللبيب ١ / ٩٢ ط دار الفكر بدمشق.
وَإِذَا اسْتُعْمِلَتْ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ سَقَطَ عَنْهَا مَعْنَى الْوَقْتِ، وَصَارَتْ حَرْفًا كَإِنْ، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَقَدْ سَبَقَ.
وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ هِيَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَقْتِ، وَتُسْتَعْمَل فِي الشَّرْطِ مَعَ بَقَاءِ الْوَقْتِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، فَعِنْدَهُمَا أَنَّهَا مِثْل مَتَى، أَيْ لاَ يَسْقُطُ عَنْهَا مَعْنَى الظَّرْفِ، وَعِنْدَهُ أَنَّهَا كَإِنْ فِي التَّمَحُّضِ لِلشَّرْطِيَّةِ، فَلاَ يَبْقَى فِيهَا مَعْنَى الظَّرْفِ. (١)
١٠ - وَيَتَرَتَّبُ عَلَى الْخِلاَفِ بَيْنَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ: أَنَّهُ لَوْ قَال: إِذَا لَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ إِذَا مَا لَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنْ عَنَى بِهَا الْوَقْتَ تَطْلُقُ فِي الْحَال، وَإِنْ عَنَى بِهَا الشَّرْطَ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَمُوتَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ لَمْ تَطْلُقْ حَتَّى تَمُوتَ. وَهَذَا عَلَى قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ (إِذَا) إِنِ اسْتُعْمِلَتْ فِي مَعْنَى الشَّرْطِ سَقَطَ عَنْهَا مَعْنَى الْوَقْتِ، وَهُوَ رَأْيُ الْكُوفِيِّينَ.
وَأَمَّا عَلَى قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فَإِنَّهَا تَطْلُقُ فِي الْحَال عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ، بِنَاءً عَلَى رَأْيِ الْبَصْرِيِّينَ فِي أَنَّ إِذَا تُسْتَعْمَل لِلْوَقْتِ غَالِبًا، وَتُقْرَنُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الْخَطَرِ، فَإِنَّهُ يُقَال: الرَّطْبُ إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ، وَالْبَرْدُ إِذَا جَاءَ الشِّتَاءُ. وَلاَ يَسْتَقِيمُ مَكَانُهَا إِنْ. (٢)
وَجَاءَ فِي الْمُغْنِي: أَيْضًا وَجْهَانِ فِي (إِذَا) فِيمَا لَوْ
_________
(١) التلويح ١ / ١٢١ ط صبيح.
(٢) أصول السرخسي ١ / ٢٣٢ ط دار الكتاب العربي.
قَال: إِذَا لَمْ تَدْخُلِي الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
أَحَدُهُمَا: هِيَ عَلَى التَّرَاخِي، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ، وَنَصَرَهُ الْقَاضِي؛ لأَِنَّهَا تُسْتَعْمَل شَرْطًا. بِمَعْنَى إِنْ. قَال الشَّاعِرُ:
اسْتَغْنِ مَا أَغْنَاكَ رَبُّكَ بِالْغِنَى
وَإِذَا تُصِبْكَ خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّل
فَجَزَمَ بِهَا كَمَا يَجْزِمُ بِإِنْ، وَلأَِنَّهَا تُسْتَعْمَل بِمَعْنَى مَتَى وَإِنْ، وَإِذَا احْتَمَلَتِ الأَْمْرَيْنِ فَالْيَقِينُ بَقَاءُ النِّكَاحِ فَلاَ يَزُول بِالاِحْتِمَال.
وَالْوَجْهُ الآْخَرُ: أَنَّهَا عَلَى الْفَوْرِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنِ الشَّافِعِيِّ لأَِنَّهَا اسْمٌ لِزَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ، فَتَكُونُ كَمَتَى. وَأَمَّا الْمُجَازَاةُ بِهَا فَلاَ تُخْرِجْهَا مِنْ مَوْضُوعِهَا.
وَأَمَّا إِذَا عَلَّقَ التَّصَرُّفَ بِإِيجَادِ فِعْلٍ بِإِذَا، كَقَوْلِهِ مَثَلًا: إِذَا دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنَّهَا تَكُونُ عَلَى التَّرَاخِي كَغَيْرِهَا مِنْ أَدَوَاتِ التَّعْلِيقِ.
وَقَدِ اطَّرَدَ فِي عُرْفِ أَهْل الْيَمَنِ - كَمَا جَاءَ فِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ - اسْتِعْمَالُهُمْ إِلَى بِمَعْنَى إِذَا كَقَوْلِهِمْ: إِلَى دَخَلْتِ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ. وَلِهَذَا أَلْحَقَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ بِإِذَا فِي الاِسْتِعْمَال. (١)
ج - مَتَى:
١١ - وَهِيَ اسْمٌ بِاتِّفَاقِ مَوْضُوعٌ لِلدَّلاَلَةِ عَلَى
_________
(١) المغني ٧ / ١٩٣ - ١٩٤ ط الرياض، ونهاية المحتاج ٧ / ١٧، ٢٢ ط المكتبة الإسلامية.
الزَّمَانِ ثُمَّ ضُمِّنَ مَعْنَى الشَّرْطِ. (١)
وَالْفَرْقُ بَيْنَ إِذَا وَمَتَى: أَنَّ إِذَا تُسْتَعْمَل فِي الأُْمُورِ الْوَاجِبِ وُجُودُهَا، كَطُلُوعِ الشَّمْسِ وَمَجِيءِ الْغَدِ، بِخِلاَفِ مَتَى، فَإِنَّهَا تُسْتَعْمَل فِي الأُْمُورِ الْمُبْهَمَةِ، أَيْ فِيمَا يَكُونُ وَفِيمَا لاَ يَكُونُ، بِمَعْنَى أَنَّهَا لاَ تَخُصُّ وَقْتًا دُونَ وَقْتٍ، فَلِذَلِكَ كَانَتْ مُشَارَكَةً ل (إِنْ) فِي الإِْبْهَامِ، وَلِهَذَا أَيْضًا كَانَتِ الْمُجَازَاةُ بِهَا لاَزِمَةً فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الاِسْتِفْهَامِ كَإِنْ، إِلاَّ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ مَتَى وَإِنْ أَنَّ (مَتَى) يُجَازَى بِهَا مَعَ بَقَاءِ مَعْنَى الْوَقْتِ فِيهَا، وَأَمَّا مَتَى الاِسْتِفْهَامِيَّةُ فَإِنَّهَا لاَ يُجَازَى بِهَا؛ لأَِنَّ الاِسْتِفْهَامَ عِبَارَةٌ عَنْ طَلَبِ الْفَهْمِ عَنْ وُجُودِ الْفِعْل، فَلاَ يَسْتَقِيمُ فِي مَقَامِهِ إِضْمَارُ حَرْفِ إِنْ. (٢)
قَال ابْنُ قُدَامَةَ: لَوْ عَلَّقَ التَّصَرُّفَ بِإِيجَادِ فِعْلٍ بِمَتَى فَإِنَّهَا تَكُونُ عَلَى التَّرَاخِي، فَمَنْ قَال لِزَوْجَتِهِ: مَتَى تَدْخُلِي الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنَّ الطَّلاَقَ لاَ يَقَعُ إِلاَّ عِنْدَ وُجُودِ الصِّفَةِ أَوِ الْفِعْل وَهُوَ الدُّخُول، أَمَّا إِذَا عَلَّقَ التَّصَرُّفَ بِنَفْيِ صِفَةٍ بِمَتَى، كَمَا إِذَا قَال: مَتَى لَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ مَتَى لَمْ تَدْخُلِي الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَإِنَّهُ إِنْ مَضَى زَمَنٌ عُقَيْبَ الْيَمِينِ لَمْ تَدْخُل فِيهِ أَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا فِيهِ فَقَدْ وُجِدَتِ الصِّفَةُ، فَإِنَّهَا اسْمٌ لِوَقْتِ
_________
(١) شرح التصريح على التوضيح ٢ / ٢٤٨ ط الحلبي، وكشف الأسرار للبزدوي ٢ / ١٩٦ ط دار الكتاب العربي.
(٢) التلويح ١ / ١٢١، وكشف الأسرار ٢ / ١٩٦.
الْفِعْل، فَتُقَدَّرُ بِهِ وَيَقَعُ الطَّلاَقُ. (١)
١٢ - وَمِثْل مَتَى فِي الْحُكْمِ (مَتَى مَا) فَكُل مَا قِيل فِي مَتَى يُقَال أَيْضًا فِي (مَتَى مَا)، فَحُكْمُهَا فِي الشَّرْطِ كَحُكْمِ مَتَى بَل أَوْلَى؛ لأَِنَّ اقْتِرَانَ (مَا) بِهَا يَجْعَلُهَا لِلْجَزَاءِ الْمَحْضِ دُونَ غَيْرِهِ كَالاِسْتِفْهَامِ. (٢)
د - مَنْ:
١٣ - وَهِيَ اسْمٌ بِاتِّفَاقٍ وُضِعَ لِلدَّلاَلَةِ عَلَى مَنْ يَعْقِل، ثُمَّ ضُمِّنَ مَعْنَى الشَّرْطِ. (٣) وَهِيَ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ بِوَضْعِ اللُّغَةِ، وَهِيَ تَعُمُّ بِنَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى قَرِينَةٍ، وَهِيَ كَمَا قَال الْبَيْضَاوِيُّ عَامَّةٌ فِي الْعَالِمِينَ أَيْ: أُولِي الْعِلْمِ، لِتَشْمَل الْعُقَلاَءَ وَالذَّاتَ الإِْلَهِيَّةَ، لأَِنَّ (مَنْ) تُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ ﷾، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ (٤) وَاللَّهُ ﷾ يُوصَفُ بِالْعِلْمِ وَلاَ يُوصَفُ بِالْعَقْل، وَهُوَ مَعْنًى حَسَنٌ غَفَل عَنْهُ الشَّارِحُونَ، كَمَا قَال الإِْسْنَوِيُّ (٥) .
قَال عَبْدُ الْعَزِيزِ الْبُخَارِيُّ فِي كَشْفُ الأَْسْرَارِ شَرْحُ أُصُول الْبَزْدَوِيِّ مَا نَصُّهُ: وَمَنْ وَمَا يَدْخُلاَنِ
_________
(١) المغني ٧ / ١٩٣، ونهاية المحتاج ٧ / ٢٢.
(٢) كشف الأسرار وأصول السرخسي ١ / ٢٣٣، والروضة ٨ / ١٢٨.
(٣) التصريح على التوضيح ٢ / ٢٤٨ ط الحلبي.
(٤) سورة الحجر / ٢٠.
(٥) الأسنوي مع شرح البدخشي ٢ / ٦٥، ٦٦ ط صبيح.
فِي هَذَا الْبَابِ أَيْ بَابِ الشَّرْطِ، لإِِبْهَامِهَا، فَإِنَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا لاَ يَتَنَاوَل عَيْنًا. وَتَحْقِيقُهُ: أَنَّ (مَنْ وَمَا) لإِِبْهَامِهِمَا دَخَلاَ فِي بَابِ الْعُمُومِ، فَلَمَّا كَانَ الْعُمُومُ فِي الشَّرْطِ مَقْصُودًا لِلْمُتَكَلِّمِ، وَتَخْصِيصُ كُل وَاحِدٍ مِنَ الأَْفْرَادِ بِالذِّكْرِ مُتَعَسِّرٌ أَوْ مُتَعَذِّرٌ وَ(مَنْ وَمَا) يُؤَدِّيَانِ هَذَا الْمَعْنَى مَعَ الإِْيجَازِ وَحُصُول الْمَقْصُودِ، نَابَا مَنَابَ إِنْ، فَقِيل: مَنْ يَأْتِ أُكْرِمْهُ، وَمَا تَصْنَعْ أَصْنَعْ. وَالْمَسَائِل فِيهِمَا كَثِيرَةٌ مِثْل قَوْلِهِ: مَنْ دَخَل هَذَا الْحِصْنَ فَلَهُ رَأْسٌ، وَمَنْ دَخَل مِنْكُمْ الدَّارَ فَهُوَ حُرٌّ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ لِلشَّرْطِ فَهُوَ اسْمٌ بِمَعْنَى أَيْ: تَقُول: مَا تَصْنَعْ أَصْنَعْ. (١) وَفِي التَّنْزِيل. ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (٢) ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا﴾ (٣) .
١٤ - وَأَمَّا (مَا) الْمَصْدَرِيَّةُ، فَإِنَّهَا تُسْتَعْمَل فِي الْفِقْهِ، وَيُقَيَّدُ بِهَا التَّصَرُّفُ تَقْيِيدَ إِضَافَةٍ لاَ تَعْلِيقٍ، كَمَا جَاءَ فِي الْبَحْرِ الرَّائِقِ وَفَتْحِ الْقَدِيرِ؛ لأَِنَّهَا تَنُوبُ عَنْ ظَرْفِ الزَّمَانِ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (٤) أَيْ مُدَّةَ دَوَامِي حَيًّا.
وَعَلَى هَذَا لَوْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ مَا لَمْ أُطَلِّقْكِ، وَسَكَتَ، وَقَعَ الطَّلاَقُ اتِّفَاقًا بِسُكُوتِهِ؛ لأَِنَّهُ
_________
(١) كشف الأسرار للبزدوي ٢ / ١٩٦.
(٢) سورة البقرة / ١٠٦.
(٣) سورة فاطر / ٢.
(٤) سورة مريم / ٣١.