الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٢ الصفحة 58

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٢

صُنْعُ الطَّعَامِ لأَِهْل الْمَيِّتِ:

٩ - يُسَنُّ لِجِيرَانِ أَهْل الْمَيِّتِ أَنْ يَصْنَعُوا طَعَامًا لَهُمْ، لِقَوْلِهِ ﷺ: اصْنَعُوا لأَِهْل جَعْفَرٍ طَعَامًا، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ (١) .

وَيُكْرَهُ أَنْ يَصْنَعَ أَهْل الْمَيِّتِ طَعَامًا لِلنَّاسِ، لأَِنَّ فِيهِ زِيَادَةً عَلَى مُصِيبَتِهِمْ، وَشُغْلًا عَلَى شُغْلِهِمْ، وَتَشَبُّهًا بِأَهْل الْجَاهِلِيَّةِ، لِخَبَرِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ ﵁: كُنَّا نَعُدُّ الاِجْتِمَاعَ إِلَى أَهْل الْمَيِّتِ، وَصَنِيعَةَ الطَّعَامِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنَ النِّيَاحَةِ (٢) .

_________

(١) حديث: " اصنعوا لأهل جعفر طعاما. . . " أخرجه الترمذي (٣ / ٣١٤ ط الحلبي) من حديث عبد الله بن جعفر ﵄، وحسنه الترمذي.

(٢) خبر جرير بن عبد الله: " كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت. . . " أخرجه أحمد (٢ / ٢٠٤ ط الميمنية) . وصححه النووي في المجموع (٥ / ٣٢٠ ط المنيرية) . وانظر ابن عابدين ١ / ٦٠٣، ومغني المحتاج ١ / ٣٦٨، والمغني لأبن قدامة ٢ / ٥٥٠.

تَعْشِيرٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّعْشِيرُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ عَشَّرَ، يُقَال: عَشَّرَ الْقَوْمَ، وَعَشَّرَهُمْ: إِذَا أَخَذَ عُشْرَ أَمْوَالِهِمْ. وَالْعَشَّارُ: هُوَ مَنْ يَأْخُذُ الْعُشْرَ. وَقَدْ عَشَّرَتِ النَّاقَةُ: صَارَتْ عُشَرَاءَ - أَيْ حَامِلًا - إِذَا تَمَّ لَهَا عَشْرَةُ أَشْهُرٍ.

وَمَعْنَاهُ فِي الاِصْطِلاَحِ كَمَعْنَاهُ اللُّغَوِيِّ. وَيُسْتَعْمَل فِي الاِصْطِلاَحِ أَيْضًا بِمَعْنَى: جَعْل الْعَوَاشِرِ فِي الْمُصْحَفِ، وَالْعَاشِرَةُ: هِيَ الْحَلْقَةُ فِي الْمُصْحَفِ عِنْدَ مُنْتَهَى كُل عَشْرِ آيَاتٍ (١) . وَالْعَاشِرَةُ أَيْضًا: الآْيَةُ الَّتِي تَتِمُّ بِهَا الْعُشْرُ.

وَالتَّعْشِيرُ - بِمَعْنَى أَخْذِ الْعُشْرِ - يُرْجَعُ لِمَعْرِفَةِ أَحْكَامِهِ إِلَى مُصْطَلَحِ (عُشْرٌ) .

تَارِيخُ التَّعْشِيرِ فِي الْمُصْحَفِ:

٢ - قَال ابْنُ عَطِيَّةَ: مَرَّ بِي فِي بَعْضِ التَّوَارِيخِ: أَنَّ الْمَأْمُونَ الْعَبَّاسِيَّ أَمَرَ بِذَلِكَ. وَقِيل: إِنَّ الْحَجَّاجَ فَعَل ذَلِكَ، وَقَال قَتَادَةَ: بَدَءُوا فَنَقَّطُوا، ثُمَّ خَمَّسُوا، ثُمَّ عَشَّرُوا.

_________

(١) القاموس، ومختار الصحاح، ولسان العرب، ومفردات غريب القرآن للراغب، والمغني ٨ / ٥١٦.

وَقَال يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ: كَانَ الْقُرْآنُ مُجَرَّدًا فِي الْمَصَاحِفِ، فَأَوَّل مَا أَحْدَثُوا فِيهِ النَّقْطُ عَلَى الْبَاءِ وَالتَّاءِ وَالثَّاءِ، وَقَالُوا: لاَ بَأْسَ بِهِ، هُوَ نُورٌ لَهُ، ثُمَّ أَحْدَثُوا نُقَطًا عِنْدَ مُنْتَهَى الآْيِ، ثُمَّ أَحْدَثُوا الْفَوَاتِحَ وَالْخَوَاتِمَ (١) .

حُكْمُ التَّعْشِيرِ:

٣ - ذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الدَّانِيُّ فِي كِتَابِ الْبَيَانِ لَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁: أَنَّهُ كَرِهَ التَّعْشِيرَ فِي الْمَصَاحِفِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَحُكُّهُ. وَعَنْ مُجَاهِدٍ: أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ التَّعْشِيرَ وَالطِّيبَ فِي الْمَصَاحِفِ.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: تَجُوزُ تَحْلِيَةُ الْمُصْحَفِ وَتَعْشِيرُهُ وَنَقْطُهُ: أَيْ إِظْهَارُ إِعْرَابِهِ، وَبِهِ يَحْصُل الرِّفْقُ جِدًّا، خُصُوصًا لِلْعَجَمِ، فَيُسْتَحْسَنُ. وَعَلَى هَذَا لاَ بَأْسَ بِكِتَابَةِ أَسْمَاءِ السُّوَرِ، وَعَدُّ الآْيِ، وَعَلاَمَاتُ الْوَقْفِ وَنَحْوِهَا، فَهِيَ بِدْعَةٌ حَسَنَةٌ. وَقَالُوا: إِنَّ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ " جَرِّدُوا الْقُرْآنَ كَانَ فِي زَمَنِهِمْ، وَكَمْ شَيْءٍ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ (٢) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ مَكْرُوهٌ بِالْحُمْرَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الأَْلْوَانِ، إِلاَّ الْحِبْرُ. قَال أَشْهَبُ: سَمِعْنَا

_________

(١) تفسير القرطبي ١ / ٦٣، والإتقان ٢ / ١٧١.

(٢) البرهان في علوم القرآن ١ / ٢٥٠ - ٢٥١، والتبيان في آداب حملة القرآن ٣٨ (ط البابي الحلبي) .

مَالِكًا وَسُئِل عَنِ الْعُشُورِ الَّتِي فِي الْمُصْحَفِ بِالْحُمْرَةِ وَغَيْرِهَا مِنَ الأَْلْوَانِ فَكَرِهَ ذَلِكَ، وَقَال: تَعْشِيرُ الْمُصْحَفِ بِالْحِبْرِ لاَ بَأْسَ بِهِ (١) .

تَعْصِيبٌ

انْظُرْ: عَصَبَةٌ

تَعْقِيبٌ

انْظُرْ: مُوَالاَةٌ، تَتَابُعٌ

تَعَلُّمٌ

انْظُرْ: تَعْلِيمٌ

_________

(١) القرطبي ١ / ١٤ ط دار الكتب.

تَعَلِّي

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّعَلِّي فِي اللُّغَةِ لَهُ مَعَانٍ، مِنْهَا: أَنَّهُ مِنَ الْعُلُوِّ، وَهُوَ: الاِرْتِفَاعُ وَعُلُوُّ كُل شَيْءٍ وَعُلْوُهُ وَعِلْوُهُ: أَرْفَعُهُ. وَعَلاَ الشَّيْءُ عُلُوًّا فَهُوَ عَلِيٌّ: ارْتَفَعَ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: فَإِذَا هُوَ يَتَعَلَّى عَنِّي: أَيْ يَتَرَفَّعُ عَلَيَّ. وَتَعَالَى: تَرَفَّعَ. وَتَعَلَّى: أَيْ عَلاَ فِي مُهْلَةٍ (١) .

وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ لاَ يَخْرُجُ عَنْ هَذَا، إِذْ يُرَادُ بِهِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ: رَفْعُ بِنَاءٍ فَوْقَ بِنَاءٍ آخَرَ.

أَحْكَامُ حَقِّ التَّعَلِّي:

٢ - حَقُّ التَّعَلِّي: إِمَّا أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ صَاحِبُهُ لِنَفْسِهِ، وَإِمَّا يَبِيعُهُ لِغَيْرِهِ.

أَمَّا اسْتِعْمَالُهُ لِنَفْسِهِ: فَقَدْ نَصَّتِ الْمَادَّةُ (١١٩٨) مِنْ مَجَلَّةِ الأَْحْكَامِ الْعَدْلِيَّةِ عَلَى أَنَّ: كُل أَحَدٍ لَهُ التَّعَلِّي عَلَى حَائِطِهِ الْمِلْكِ، وَبِنَاءُ مَا يُرِيدُ، وَلَيْسَ لِجَارِهِ مَنْعُهُ مَا لَمْ يَكُنْ ضَرَرًا فَاحِشًا.

_________

(١) المغرب في ترتيب المعرب، ولسان العرب.

وَقَال الأَْتَاسِيُّ فِي شَرْحِ الْمَادَّةِ: وَلاَ عِبْرَةَ بِزَعْمِهِ أَنَّهُ يَسُدُّ عَنْهُ الرِّيحَ وَالشَّمْسَ، كَمَا أَفْتَى بِهِ فِي الْحَامِدِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِنَ الضَّرَرِ الْفَاحِشِ. وَفِي الأَْنْقِرَوِيَّةِ: لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَى حَائِطِ نَفْسِهِ أَزْيَدَ مِمَّا كَانَ، وَلَيْسَ لِجَارِهِ مَنْعُهُ وَإِنْ بَلَغَ عَنَانَ السَّمَاءِ (١) .

وَأَمَّا بَيْعُهُ لِغَيْرِهِ فَقَدْ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ): إِلَى جَوَازِهِ عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي:

أَجَازَهُ الْمَالِكِيَّةُ مَتَى كَانَ الْمَبِيعُ قَدْرًا مُعَيَّنًا، كَعَشْرَةِ أَذْرُعٍ مَثَلًا مِنْ مَحَل هَوَاءٍ، فَوْقَ مَحَلٍّ مُتَّصِلٍ بِأَرْضٍ أَوْ بِنَاءٍ، بِأَنْ كَانَ لِشَخْصٍ أَرْضٌ خَالِيَةٌ مِنَ الْبِنَاءِ أَرَادَ الْبِنَاءَ بِهَا، أَوْ كَانَ لَهُ بِنَاءٌ أَرَادَ الْبِنَاءَ عَلَيْهِ، فَيَشْتَرِي شَخْصٌ مِنْهُ قَدْرًا مُعَيَّنًا مِنَ الْفَرَاغِ الَّذِي يَكُونُ فَوْقَ الْبِنَاءِ الَّذِي أَرَادَ إِحْدَاثَهُ، فَيَجُوزُ مَتَى وَصَفَ الْبِنَاءَ الَّذِي أُرِيدَ إِحْدَاثُهُ أَسْفَل وَأَعْلَى، لِيَقِل الضَّرَرُ؛ لأَِنَّ صَاحِبَ الأَْسْفَل رَغْبَتُهُ فِي خِفَّةِ الأَْعْلَى، وَصَاحِبُ الأَْعْلَى رَغْبَتُهُ فِي مَتَانَةِ الأَْسْفَل، وَلِصَاحِبِ الْبِنَاءِ الأَْعْلَى الاِنْتِفَاعُ بِمَا فَوْقَ بِنَائِهِ بِغَيْرِ الْبِنَاءِ، إِذْ يَمْلِكُ جَمِيعَ الْهَوَاءِ الَّذِي فَوْقَ بِنَاءِ الأَْسْفَل، وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الأَْسْفَل الاِنْتِفَاعُ بِمَا فَوْقَ بِنَاءِ الأَْعْلَى، لاَ بِالْبِنَاءِ وَلاَ بِغَيْرِهِ.

وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيَّةُ، مَتَى كَانَ الْمَبِيعُ حَقَّ الْبِنَاءِ

_________

(١) شرح مجلة الأحكام العدلية ٤ / ١٦٧ ط حمص.

أَوِ الْعُلْوِ: بِأَنْ قَال لَهُ: بِعْتُكَ حَقَّ الْبِنَاءِ أَوِ الْعُلْوِ لِلْبِنَاءِ عَلَيْهِ بِثَمَنٍ مَعْلُومٍ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا بَاعَهُ وَشَرَطَ أَنْ لاَ يَبْنِيَ عَلَيْهِ، أَوْ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْبِنَاءِ عَلَيْهِ. لَكِنْ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَنْتَفِعَ بِمَا عَدَا الْبِنَاءَ مِنْ مُكْثٍ وَغَيْرِهِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ السُّبْكِيُّ، تَبَعًا لِلْمَاوَرْدِيِّ.

وَأَجَازَهُ الْحَنَابِلَةُ، وَلَوْ قَبْل بِنَاءِ الْبَيْتِ الَّذِي اشْتَرَى عُلْوَهُ، إِذَا وَصَفَ الْعُلْوَ وَالسُّفْل لِيَكُونَا مَعْلُومَيْنِ، لِيَبْنِيَ الْمُشْتَرِي أَوْ يَضَعُ عَلَيْهِ بُنْيَانًا أَوْ خَشَبًا مَوْصُوفَيْنِ، وَإِنَّمَا صَحَّ ذَلِكَ لأَِنَّ الْعُلْوَ مِلْكٌ لِلْبَائِعِ، فَكَانَ لَهُ بَيْعُهُ، وَالاِعْتِيَاضُ عَنْهُ، كَالْقَرَارِ (١) .

وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ: فَقَدْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ بَيْعَ حَقِّ التَّعَلِّي غَيْرُ جَائِزٍ، لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَلاَ هُوَ حَقٌّ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَال، بَل حَقٌّ مُتَعَلِّقٌ بِالْهَوَاءِ (أَيِ الْفَرَاغِ) وَلَيْسَ الْهَوَاءُ مَا لاَ يُبَاعُ، إِذِ الْمَال مَا يُمْكِنُ قَبْضُهُ وَإِحْرَازُهُ. وَصُورَتُهُ: أَنْ يَكُونَ السُّفْل لِرَجُلٍ، وَعُلْوُهُ لآِخَرَ، فَسَقَطَا أَوْ سَقَطَ الْعُلْوُ وَحْدَهُ فَبَاعَ صَاحِبُ الْعُلْوِ عُلْوَهُ، فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّ الْمَبِيعَ حِينَئِذٍ لَيْسَ إِلاَّ حَقُّ التَّعَلِّي.

وَعَلَى هَذَا: فَلَوْ بَاعَ الْعُلْوَ قَبْل سُقُوطِهِ جَازَ، فَإِنْ سَقَطَ قَبْل الْقَبْضِ بَطَل الْبَيْعُ، لِهَلاَكِ الْمَبِيعِ

_________

(١) جواهر الإكليل ٢ / ٦، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٣ / ١٤، وشرح الزرقاني على مختصر خليل ٥ / ٢٢، وأسنى المطالب شرح روض الطالب ٢ / ٢٥٥، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٣ / ٣٦٤، ومطالب أولي النهى ٣ / ٣٥٠ منشورات المكتب الإسلامي بدمشق.

قَبْل الْقَبْضِ، وَهُوَ بَعْدَ سُقُوطِهِ بَيْعٌ لِحَقِّ التَّعَلِّي، وَهُوَ لَيْسَ بِمَالٍ. فَلَوْ كَانَ الْعُلْوُ لِصَاحِبِ السُّفْل فَقَال: بِعْتُك عُلْوَ هَذَا السُّفْل بِكَذَا صَحَّ، وَيَكُونُ سَطْحُ السُّفْل لِصَاحِبِ السُّفْل، وَلِلْمُشْتَرِي حَقُّ الْقَرَارِ، حَتَّى لَوِ انْهَدَمَ الْعُلْوُ كَانَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهِ عُلْوًا آخَرَ، مِثْل الأَْوَّل؛ لأَِنَّ السُّفْل اسْمٌ لِمَبْنًى مُسَقَّفٍ، فَكَانَ سَطْحُ السُّفْل سَقْفًا لِلسُّفْل (١) .

أَحْكَامُ الْعُلْوِ وَالسُّفْل فِي الاِنْهِدَامِ وَالْبِنَاءِ:

٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ: إِلَى أَنَّ السُّفْل إِنِ انْهَدَمَ بِنَفْسِهِ بِلاَ صُنْعِ صَاحِبِهِ لَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْبِنَاءِ، لِعَدَمِ التَّعَدِّي، فَلَوْ هَدَمَهُ يُجْبَرُ عَلَى بِنَائِهِ؛ لأَِنَّهُ تَعَدَّى عَلَى صَاحِبِ الْعُلْوِ، وَهُوَ قَرَارُ الْعُلْوِ، وَلِذِي الْعُلْوِ أَنْ يَبْنِيَ السُّفْل ثُمَّ يَرْجِعَ بِمَا أَنْفَقَ إِنْ بَنَى بِإِذْنِهِ أَوْ إِذْنِ قَاضٍ، وَإِلاَّ فَبِقِيمَةِ الْبِنَاءِ يَوْمَ بَنَى.

وَمَتَى بَنَى صَاحِبُ الْعُلْوِ السُّفْل: كَانَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ صَاحِبَ السُّفْل مِنَ السُّكْنَى، حَتَّى يَدْفَعَ إِلَيْهِ مِثْل مَا أَنْفَقَهُ فِي بِنَاءِ سُفْلِهِ لِكَوْنِهِ مُضْطَرًّا.

فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا حَقٌّ فِي مِلْكِ الآْخَرِ: لِذِي الْعُلْوِ حَقُّ قَرَارِهِ، وَلِذِي السُّفْل حَقُّ دَفْعِ الْمَطَرِ وَالشَّمْسِ عَنِ السُّفْل، وَلَوْ هَدَمَ ذُو السُّفْل سُفْلَهُ وَذُو الْعُلْوِ عُلْوَهُ، أُلْزِمَ ذُو السُّفْل بِبِنَاءِ سُفْلِهِ، إِذْ

_________

(١) الهداية وفتح القدير والكفاية والعناية بالهامش ٦ / ٦٤ - ٦٦ دار إحياء التراث العربي، وحاشية ابن عابدين ٤ / ١٠١.

فَوَّتَ عَلَى صَاحِبِ الْعُلْوِ حَقًّا أُلْحِقَ بِالْمِلْكِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ فَوَّتَ عَلَيْهِ مِلْكًا.

فَإِذَا بَنَى ذُو السُّفْل سُفْلَهُ وَطَلَب مِنْ ذِي الْعُلْوِ بِنَاءَ عُلْوِهِ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ؛ لأَِنَّ لِذِي السُّفْل حَقًّا فِي الْعُلْوِ، وَأَمَّا لَوِ انْهَدَمَ الْعُلْوُ بِلاَ صُنْعِهِ فَلاَ يُجْبَرُ لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ، كَمَا لَوِ انْهَدَمَ السُّفْل بِلاَ تَعَدٍّ، وَسَقْفُ السُّفْل لِذِي السُّفْل (١) .

٤ - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ السُّفْل إِنْ وَهَى وَأَشْرَفَ عَلَى السُّقُوطِ وَخِيفَ سُقُوطُ بِنَاءٍ عَلَيْهِ لآِخَرَ غَيْرِ صَاحِبِ السُّفْل - فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَى صَاحِبِ السُّفْل أَنْ يُعَمِّرَ سُفْلَهُ فَإِنْ أَبَى قُضِيَ عَلَيْهِ بِبَيْعِهِ لِمَنْ يُعَمِّرُهُ، فَإِنْ سَقَطَ الأَْعْلَى عَلَى الأَْسْفَل فَهَدَمَهُ أُجْبِرَ رَبُّ الأَْسْفَل عَلَى الْبِنَاءِ، أَوِ الْبَيْعِ مِمَّنْ يَبْنِي، لِيَبْنِيَ رَبُّ الْعُلْوِ عُلْوَهُ عَلَيْهِ. وَعَلَى ذِي السُّفْل التَّعْلِيقُ لِلأَْعْلَى - أَيْ حَمْلُهُ عَلَى خَشَبٍ وَنَحْوِهِ - حَتَّى يَبْنِيَ السُّفْل، وَعَلَيْهِ السَّقْفُ السَّاتِرُ لِسُفْلِهِ، إِذْ لاَ يُسَمَّى السُّفْل بَيْتًا إِلاَّ بِهِ، وَلِذَا فَإِنَّهُ يُقْضَى بِهِ لِصَاحِبِ السُّفْل عِنْدَ التَّنَازُعِ. وَأَمَّا الْبَلاَطُ الَّذِي فَوْقَهُ: فَهُوَ لِصَاحِبِ الأَْعْلَى.

وَيُقْضَى عَلَى ذِي الْعُلْوِ بِعَدَمِ زِيَادَةِ بِنَاءِ الْعُلْوِ عَلَى السُّفْل؛ لأَِنَّهَا تَضُرُّ السُّفْل، إِلاَّ الشَّيْءَ الْخَفِيفَ الَّذِي لاَ يَضُرُّ السُّفْل حَالًا وَمَآلًا، وَيُرْجَعُ فِي ذَلِكَ لأَِهْل الْمَعْرِفَةِ (٢) .

_________

(١) ابن عابدين ٤ / ٣٥٨، ٣٥٩.

(٢) جواهر الإكليل ٢ / ١٢١ - ١٢٣، والشرح الكبير ٣ / ٣٦٠ - ٣٦٥، ٣٧٠.

٥ - وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ: أَنَّهُ لَوِ انْهَدَمَ حِيطَانُ السُّفْل لَمْ يَكُنْ لِصَاحِبِهِ أَنْ يُجْبِرَ صَاحِبَ الْعُلْوِ عَلَى الْبِنَاءِ قَوْلًا وَاحِدًا؛ لأَِنَّ حِيطَانَ السُّفْل لِصَاحِبِ السُّفْل، فَلاَ يُجْبَرُ صَاحِبُ الْعُلْوِ عَلَى بِنَائِهِ.

وَهَل لِصَاحِبِ الْعُلْوِ إِجْبَارُ صَاحِبِ السُّفْل عَلَى الْبِنَاءِ؟ فِيهِ قَوْلاَنِ، فَإِنْ قِيل: يُجْبَرُ، أَلْزَمَهُ الْحَاكِمُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل - وَلَهُ مَالٌ - بَاعَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ مَالَهُ، وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ اقْتَرَضَ عَلَيْهِ. فَإِذَا بَنَى الْحَائِطَ كَانَ الْحَائِطُ مِلْكًا لِصَاحِبِ السُّفْل؛ لأَِنَّهُ بُنِيَ لَهُ، وَتَكُونُ النَّفَقَةُ فِي ذِمَّتِهِ، وَيُعِيدُ صَاحِبُ الْعُلْوِ غُرْفَتَهُ عَلَيْهِ، وَتَكُونُ نَفَقَةُ الْغُرْفَةِ وَحِيطَانُهَا مِنْ مِلْكِ صَاحِبِ الْعُلْوِ دُونَ صَاحِبِ السُّفْل؛ لأَِنَّهَا مِلْكُهُ، لاَ حَقَّ لِصَاحِبِ السُّفْل فِيهِ.

وَأَمَّا السَّقْفُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا، وَمَا يُنْفِقُ عَلَيْهِ فَهُوَ مِنْ مَالِهِمَا، فَإِنْ تَبَرَّعَ صَاحِبُ الْعُلْوِ، وَبَنَى مِنْ غَيْرِ إِذْنِ الْحَاكِمِ، لَمْ يَرْجِعْ صَاحِبُ الْعُلْوِ عَلَى صَاحِبِ السُّفْل بِشَيْءٍ. ثُمَّ يُنْظَرُ: فَإِنْ كَانَ قَدْ بَنَاهَا بِآلَتِهَا كَانَتِ الْحِيطَانُ لِصَاحِبِ السُّفْل، لأَِنَّ الآْلَةَ كُلَّهَا لَهُ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِ الْعُلْوِ مَنْعُهُ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِهَا، وَلاَ يَمْلِكُ نَقْضُهَا؛ لأَِنَّهَا لِصَاحِبِ السُّفْل، وَلَهُ أَنْ يُعِيدَ حَقَّهُ مِنَ الْغُرْفَةِ. وَإِنْ بَنَاهَا بِغَيْرِ آلَتِهَا كَانَتِ الْحِيطَانُ لِصَاحِبِ الْعُلْوِ، وَلَيْسَ لِصَاحِبِ السُّفْل أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا مِنْ غَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِ الْعُلْوِ، وَلَكِنْ لَهُ أَنْ يَسْكُنَ فِي قَرَارِ السُّفْل؛ لأَِنَّ الْقَرَارَ لَهُ، وَلِصَاحِبِ الْعُلْوِ أَنْ