الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٢ الصفحة 50

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٢

ثَالِثًا: التَّعْرِيضُ بِالْقَذْفِ:

٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ بِالتَّعْرِيضِ بِالْقَذْفِ، فَذَهَبَ مَالِكٌ: إِلَى أَنَّهُ إِذَا عَرَّضَ بِالْقَذْفِ غَيْرُ أَبٍ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ - إِنْ فُهِمَ الْقَذْفُ بِتَعْرِيضِهِ بِالْقَرَائِنِ، كَخِصَامٍ بَيْنَهُمْ، وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ النَّظْمِ وَالنَّثْرِ، أَمَّا الأَْبُ إِذَا عَرَّضَ لِوَلَدِهِ فَإِنَّهُ لاَ يُحَدُّ لِبُعْدِهِ عَنِ التُّهْمَةِ. (١)

وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ لِلإِْمَامِ أَحْمَدَ، لأَِنَّ عُمَرَ ﵁ اسْتَشَارَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ فِي رَجُلٍ قَال لآِخَرَ: مَا أَنَا بِزَانٍ وَلاَ أُمِّي بِزَانِيَةٍ؟ فَقَالُوا: إِنَّهُ قَدْ مَدَحَ أَبَاهُ وَأُمَّهُ، فَقَال عُمَرُ: قَدْ عَرَّضَ لِصَاحِبِهِ، فَجَلَدَهُ الْحَدَّ. (٢)

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْقَذْفِ، قَذْفٌ. كَقَوْلِهِ: مَا أَنَا بِزَانٍ، وَأُمِّي لَيْسَتْ بِزَانِيَةٍ، وَلَكِنَّهُ لاَ يُحَدُّ، لأَِنَّ الْحَدَّ يَسْقُطُ لِلشُّبْهَةِ، وَيُعَاقَبُ بِالتَّعْزِيرِ، لأَِنَّ الْمَعْنَى: بَل أَنْتَ زَانٍ. (٣)

وَالتَّعْرِيضُ بِالْقَذْفِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، كَقَوْلِهِ: يَا ابْنَ الْحَلاَل، وَأَمَّا أَنَا فَلَسْتُ بِزَانٍ، وَأُمِّي لَيْسَتْ بِزَانِيَةٍ، فَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِقَذْفٍ وَإِنْ نَوَاهُ، لأَِنَّ النِّيَّةَ إِنَّمَا تُؤَثِّرُ، إِذَا احْتَمَل اللَّفْظَ الْمَنْوِيَّ، وَلاَ دَلاَلَةَ هُنَا فِي اللَّفْظِ وَلاَ احْتِمَال، وَمَا يُفْهَمُ مِنْهُ

_________

(١) شرح الزرقاني ٨ / ٨٧.

(٢) المغني ٨ / ٢٢٢.

(٣) حاشية ابن عابدين ٣ / ١٩١.

مُسْتَنَدُهُ قَرَائِنُ الأَْحْوَال. هَذَا هُوَ الأَْصَحُّ. وَقِيل: هُوَ كِنَايَةٌ، أَيْ عَنِ الْقَذْفِ، لِحُصُول الْفَهْمِ وَالإِْيذَاءِ. فَإِنْ أَرَادَ النِّسْبَةَ إِلَى الزِّنَى فَقَذْفٌ، وَإِلاَّ فَلاَ.

وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ حَالَةُ الْغَضَبِ وَغَيْرِهَا. (١)

وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ.

رَابِعًا: التَّعْرِيضُ لِلْمُسْلِمِ بِقَتْل طَالِبِهِ مِنَ الْكُفَّارِ:

٨ - يَجُوزُ التَّعْرِيضُ لِلْمُسْلِمِ لِقَتْل مَنْ جَاءَ يَطْلُبُهُ لِيَرُدَّهُ إِلَى دَارِ الْكُفْرِ، (٢) لأَِنَّ عُمَرَ ﵁ قَال لأَِبِي جَنْدَلٍ ﵁ حِينَ رُدَّ لأَِبِيهِ: اصْبِرْ أَبَا جَنْدَلٍ فَإِنَّمَا هُمُ الْمُشْرِكُونَ، وَإِنَّمَا دَمُ أَحَدِهِمْ دَمُ كَلْبٍ (٣) يُعَرِّضُ لَهُ بِقَتْل أَبِيهِ.

خَامِسًا - التَّعْرِيضُ لِلْمُقِرِّ بِحَدٍّ خَالِصٍ بِالرُّجُوعِ:

٩ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ: إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يُعَرِّضَ لَهُ بِالرُّجُوعِ، كَأَنْ يَقُول لَهُ فِي السَّرِقَةِ: لَعَلَّكَ أَخَذْتَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، وَفِي الزِّنَى: لَعَلَّكَ فَاخَذْتَ أَوْ لَمَسْتَ، وَفِي

_________

(١) روضة الطالبين ٨ / ٣١٢.

(٢) مغني المحتاج ٤ / ٢٦٤، والمغني ٨ / ٤٦٥ - ٤٦٦.

(٣) قول عمر: اصبر أبا جندل. . . أخرجه أحمد (٢ / ٣٢٥ - ط الميمنية) والبيهقي في سننه (٩ / ٢٢٧ - ط دار المعارف العثمانية) من حديث المسور بن مخرمة الزهري، ومروان بن الحكم، وإسناده حسن.

الشُّرْبِ: لَعَلَّك لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ مَا شَرِبْتَ مُسْكِرٌ (١) لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لِمَنْ أَقَرَّ عِنْدَهُ بِالسَّرِقَةِ مَا أَخَالُكَ سَرَقْتَ (٢) فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، وَقَال لِمَاعِزٍ: لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ. (٣)

وَفِي قَوْلٍ عِنْدَهُمْ: لاَ يُعَرَّضُ لَهُ بِالرُّجُوعِ، كَمَا لاَ يُصَرَّحُ.

وَفِي قَوْلٍ: يُعَرَّضُ لَهُ، إِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ، فَإِنْ عُلِمَ فَلاَ يُعَرَّضُ لَهُ. (٤) وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالإِْمَامُ أَحْمَدُ: إِلَى أَنَّ التَّعْرِيضَ مَنْدُوبٌ، لِحَدِيثِ مَاعِزٍ وَتَفْصِيلُهُ فِي الْحُدُودِ. (٥)

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

١٠ - يَذْكُرُ الْفُقَهَاءُ التَّعْرِيضَ فِي الأَْبْوَابِ الآْتِيَةِ: فِي كِتَابِ النِّكَاحِ، وَالْعِدَّةِ، وَفِي الْحُدُودِ: فِي الْقَذْفِ، وَالرُّجُوعِ عَنِ الإِْقْرَارِ. وَفِي الْهُدْنَةِ: وَفِي الأَْيْمَانِ فِي الْقَضَاءِ فَقَطْ.

_________

(١) مغني المحتاج ٤ / ١٧٦.

(٢) حديث: " ما أخالك سرقت " أخرجه أبو داود (٤ / ٥٤٣ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث أبي أمية المخزومي، وفي إسناده جهالة. (التلخيص لابن حجر ٤ / ٦٦ - ط شركة الطباعة الفنية) .

(٣) حديث: " لعلك قبلت. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ١٣٥ - ط السلفية) من حديث ابن عباس ﵄.

(٤) مغني المحتاج ٤ / ١٧٦.

(٥) المغني ٨ / ٢١٢، وحاشية ابن عابدين ٣ / ١٤٥.

تَعْرِيفٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّعْرِيفُ: مَصْدَرُ عَرَّفَ. وَمِنْ مَعَانِيهِ: الإِْعْلاَمُ وَالتَّوْضِيحُ، (وَيُقَابِلُهُ التَّجْهِيل) وَإِنْشَادُ الضَّالَّةِ، وَالتَّطْيِيبُ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَرْفِ (١) أَيِ: الرَّائِحَةِ، كَمَا قَال ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ (٢) فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ (٣) أَيْ طَيَّبَهَا لَهُمْ. وَالتَّعْرِيفُ: الْوُقُوفُ بِعَرَفَاتٍ. وَيُرَادُ بِهِ أَيْضًا: مَا يَصْنَعُهُ بَعْضُ النَّاسِ فِي بِلاَدِهِمْ يَوْمَ عَرَفَةَ، مِنَ التَّجَمُّعِ وَالدُّعَاءِ، تَشَبُّهًا بِالْحُجَّاجِ، وَيُرَادُ بِهِ أَيْضًا: ذَهَابُ الْحَاجِّ بِالْهَدْيِ إِلَى عَرَفَاتٍ، لِيُعَرِّفَ النَّاسَ أَنَّهُ هَدْيٌ. (٤)

وَأَمَّا فِي الاِصْطِلاَحِ، فَلِلتَّعْرِيفِ عِدَّةُ إِطْلاَقَاتٍ تَبَعًا لِلْعُلُومِ الْمُخْتَلِفَةِ:

أ - فَعِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ:

٢ - هُوَ تَحْدِيدُ الْمَفْهُومِ الْكُلِّيِّ، بِذِكْرِ خَصَائِصِهِ

_________

(١) مختار الصحاح، ولسان العرب، والمحيط مادة: " عرف ".

(٢) تفسير القرطبي ١٦ / ٢٣١.

(٣) سورة محمد / ٦.

(٤) لسان العرب، والمحيط، ومختار الصحاح، والصحاح في اللغة والعلوم مادة: " عرف "، ودستور العلماء ١ / ٣١٥.

وَمُمَيَّزَاتِهِ. وَالتَّعْرِيفُ الْكَامِل: هُوَ مَا يُسَاوِي الْمُعَرَّفَ تَمَّامَ الْمُسَاوَاةِ، بِحَيْثُ يَكُونُ جَامِعًا مَانِعًا. وَالْحَدُّ وَالتَّعْرِيفُ عِنْدَ الأُْصُولِيِّينَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَهُوَ: الْجَامِعُ الْمَانِعُ، سَوَاءٌ أَكَانَ بِالذَّاتِيَّاتِ، أَمْ بِالْعَرْضِيَّاتِ. (١)

ب - عِنْدَ الْفُقَهَاءِ:

٣ - لَمْ نَقِفْ لِلْفُقَهَاءِ عَلَى تَعْرِيفٍ خَاصٍّ لِلتَّعْرِيفِ، وَالَّذِي يُسْتَفَادُ مِنَ الْفُرُوعِ الْفِقْهِيَّةِ: أَنَّ اسْتِعْمَالَهُمْ هَذَا اللَّفْظَ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْمَعَانِي اللُّغَوِيَّةِ، لَكِنَّهُمْ عِنْدَ الإِْطْلاَقِ يُرِيدُونَ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيَّ لَدَى الأُْصُولِيِّينَ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الإِْعْلاَنُ:

٤ - الإِْعْلاَنُ خِلاَفُ الْكِتْمَانِ، وَالتَّعْرِيفُ أَعَمُّ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ قَدْ يَكُونُ سِرًّا، وَقَدْ يَكُونُ عَلاَنِيَةً. (٢)

ب - الْكِتْمَانُ أَوِ الإِْخْفَاءُ:

٥ - الْكِتْمَانُ: هُوَ السُّكُوتُ عَنِ الْمَعْنَى، أَوْ إِخْفَاءُ الشَّيْءِ وَسَتْرُهُ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ أَيْ يَسْكُتُونَ عَنْ ذِكْرِهِ، فَالتَّعْرِيفُ مُقَابِل الإِْخْفَاءِ وَالْكِتْمَانِ. (٣)

_________

(١) الصحاح في اللغة والعلوم " عرف "، والباجوري على السلم ص ٧٢.

(٢) الفروق في اللغة / ٢٨١.

(٣) مختار الصحاح مادة: " خفى " و" كتم " - والفروق اللغة ص ٢٨١، والآية من سورة البقرة / ١٥٩.

حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ:

يَخْتَلِفُ حُكْمُ التَّعْرِيفِ بِاخْتِلاَفِ الْمُعَرَّفِ:

أَوَّلًا: التَّعْرِيفُ فِي الأَْمْصَارِ:

٦ - هُوَ قَصْدُ الرَّجُل مَسْجِدَ بَلَدِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ، لِلدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ، فَهَذَا هُوَ التَّعْرِيفُ فِي الأَْمْصَارِ الَّذِي اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ، فَفَعَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ ﵃، مِنَ الصَّحَابَةِ، وَطَائِفَةٌ مِنَ الْبَصْرِيِّينَ، وَالْمَدَنِيِّينَ، وَرَخَّصَ فِيهِ أَحْمَدُ، وَإِنْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ لاَ يَسْتَحِبُّهُ. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ. وَكَرِهَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ، وَالْمَدَنِيِّينَ، كَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ، وَغَيْرِهِمْ.

وَمَنْ كَرِهَهُ قَال: هُوَ مِنَ الْبِدَعِ، فَيَنْدَرِجُ فِي الْعُمُومِ، لَفْظًا وَمَعْنًى. وَمَنْ رَخَّصَ فِيهِ قَال: فَعَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ بِالْبَصْرَةِ، حِينَ كَانَ خَلِيفَةً لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، وَمَا يُفْعَل فِي عَهْدِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ غَيْرِ إِنْكَارٍ لاَ يَكُونُ بِدْعَةً.

لَكِنْ مَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ: مِنْ رَفْعِ الأَْصْوَاتِ الرَّفْعَ الشَّدِيدَ فِي الْمَسَاجِدِ بِالدُّعَاءِ، وَأَنْوَاعٍ مِنَ الْخُطَبِ، وَالأَْشْعَارِ الْبَاطِلَةِ، مَكْرُوهٌ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَغَيْرِهِ. قَال الْمَرُّوذِيُّ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُول: يَنْبَغِي أَنْ يُسِرَّ دُعَاءَهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِك وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ (١) قَال: هَذَا فِي

_________

(١) سورة الإسراء / ١١٠.

الدُّعَاءِ. قَال: وَسَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُول: وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالدُّعَاءِ. (١)

ثَانِيًا - تَعْرِيفُ اللُّقَطَةِ:

٧ - ذَهَبَ الأَْئِمَّةُ الثَّلاَثَةُ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ تَعْرِيفُ اللُّقَطَةِ، سَوَاءٌ أَرَادَ تَمَلُّكَهَا، أَمْ حِفْظَهَا لِصَاحِبِهَا. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَبِهِ قَطَعَ الأَْكْثَرُونَ مِنْهُمْ، وَهُوَ: أَنَّهُ لاَ يَجِبُ التَّعْرِيفُ فِيمَا إِذَا قَصَدَ الْحِفْظَ أَبَدًا، وَقَالُوا: إِنَّ التَّعْرِيفَ إِنَّمَا يَجِبُ لِتَحْقِيقِ شَرْطِ التَّمَلُّكِ. (٢)

وَبَيَانُ كَيْفِيَّةِ التَّعْرِيفِ وَمُدَّتِهِ وَمَكَانِهِ يَرْجِعُ إِلَيْهِ فِي مُصْطَلَحِ (لُقَطَةٌ) .

ثَالِثًا - التَّعْرِيفُ فِي الدَّعْوَى:

٨ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ: فِي أَنَّ تَعْرِيفَ الشَّيْءِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ - بِمَعْنَى كَوْنِهِمَا مَعْلُومَيْنِ - شَرْطٌ لِسَمَاعِ الدَّعْوَى، فَلاَ بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مَا يُعَيِّنُهُمَا وَيُعَرِّفُهُمَا، لأَِنَّ فَائِدَةَ الدَّعْوَى الإِْلْزَامُ

_________

(١) اقتضاء الصراط المستقيم ٢ / ٦٣٨ الطبعة الأولى، وسنن البيهقي ٥ / ١١٧، والمغني والشرح الكبير ٢ / ٢٥٩ ط دار الكتاب العربي - بيروت.

(٢) ابن عابدين ٣ / ٣١١، والحطاب ٦ / ٧٣، وروضة الطالبين ٥ / ٤٠٩، والمغني ٥ / ٦٩٣.

بِإِقَامَةِ الْحُجَّةِ، وَالإِْلْزَامُ فِي الْمَجْهُول غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ. (١)

وَفِي كُل ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ، يُذْكَرُ فِي مَوْطِنِهِ فِي مُصْطَلَحِ (دَعْوَى) .

_________

(١) فتح القدير ٧ / ١٤٨، ١٤٩، ١٥٠، ١٥١، والحطاب ٦ / ١٢٤، وروضة الطالبين ١٢ / ٨، ٩، والمغني ٩ / ٨٥.

تَعْزِيرٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - التَّعْزِيرُ لُغَةً: مَصْدَرُ عَزَّرَ مِنَ الْعَزْرِ، وَهُوَ الرَّدُّ وَالْمَنْعُ، وَيُقَال: عَزَّرَ أَخَاهُ بِمَعْنَى: نَصَرَهُ، لأَِنَّهُ مَنَعَ عَدُوَّهُ مِنْ أَنْ يُؤْذِيَهُ، وَيُقَال: عَزَّرْته بِمَعْنَى: وَقَّرْته، وَأَيْضًا: أَدَّبْته، فَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الأَْضْدَادِ. وَسُمِّيَتِ الْعُقُوبَةُ تَعْزِيرًا، لأَِنَّ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَدْفَعَ الْجَانِيَ وَتَرُدَّهُ عَنِ ارْتِكَابِ الْجَرَائِمِ، أَوِ الْعَوْدَةِ إِلَيْهَا

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ عُقُوبَةٌ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ شَرْعًا، تَجِبُ حَقًّا لِلَّهِ، أَوْ لآِدَمِيٍّ، فِي كُل مَعْصِيَةٍ لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ وَلاَ كَفَّارَةَ غَالِبًا. (١)

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْحَدُّ:

٢ - الْحَدُّ لُغَةً: الْمَنْعُ وَاصْطِلاَحًا: عُقُوبَةٌ مُقَدَّرَةٌ

_________

(١) المبسوط للسرخسي ٩ / ٣٦، وفتح القدير ٧ / ١١٩ ط الميمنية، وكشاف القناع ٤ / ٧٢ ط المطبعة الشرقية بالقاهرة، والأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٢٤ مطبعة السعادة، ونهاية المحتاج ٧ / ٧٢، وقليوبي ٤ / ٢٠٥. قال القليوبي: هذا الضابط للغالب فقد يشرع التعزير ولا معصية، كتأديب طفل وكافر، وكمن يكتسب بآلة لهو لا معصية فيها.

شَرْعًا وَجَبَتْ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى كَحَدِّ الزِّنَى، أَوْ لِلْعَبْدِ كَحَدِّ الْقَذْفِ.

ب - الْقِصَاصُ:

٣ - الْقِصَاصُ لُغَةً: تَتَبُّعُ الأَْثَرِ. وَاصْطِلاَحًا: هُوَ أَنْ يُفْعَل بِالْجَانِي مِثْل مَا فَعَل.

ج - الْكَفَّارَةُ:

٤ - الْكَفَّارَةُ لُغَةً: مِنَ التَّكْفِيرِ، وَهُوَ الْمَحْوُ، وَالْكَفَّارَةُ جَزَاءٌ مُقَدَّرٌ مِنَ الشَّرْعِ، لِمَحْوِ الذَّنْبِ. (١)

٥ - وَيَخْتَلِفُ التَّعْزِيرُ عَنِ الْحَدِّ وَالْقِصَاصِ وَالْكَفَّارَةِ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا:

أ - فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ، إِذَا ثَبَتَتِ الْجَرِيمَةُ الْمُوجِبَةُ لَهُمَا لَدَى الْقَاضِي شَرْعًا، فَإِنَّ عَلَيْهِ الْحُكْمَ بِالْحَدِّ أَوِ الْقِصَاصِ عَلَى حَسَبِ الأَْحْوَال، وَلَيْسَ لَهُ اخْتِيَارٌ فِي الْعُقُوبَةِ، بَل هُوَ يُطَبِّقُ الْعُقُوبَةَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهَا شَرْعًا بِدُونِ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ، وَلاَ يُحْكَمُ بِالْقِصَاصِ إِذَا عُفِيَ عَنْهُ، وَلَهُ هُنَا التَّعْزِيرُ. وَمَرَدُّ ذَلِكَ: أَنَّ الْقِصَاصَ حَقٌّ لِلأَْفْرَادِ، بِخِلاَفِ الْحَدِّ.

وَفِي التَّعْزِيرِ يَخْتَارُ الْقَاضِي مِنَ الْعُقُوبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يُنَاسِبُ الْحَال، فَيَجِبُ عَلَى الَّذِينَ لَهُمْ سُلْطَةُ التَّعْزِيرِ الاِجْتِهَادُ فِي اخْتِيَارِ الأَْصْلَحِ،

_________

(١) التعريفات للجرجاني، وبدائع الصنائع ٧ / ٣٣، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٥٧٨.