الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٢ الصفحة 20

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١٢

قَال ابْنُ حَجَرٍ: وَلَكِنْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ ﵄ ذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ ﷺ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ أُولَئِكَ قَوْمٌ كَانُوا إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الرَّجُل الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ. أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ. (١)

قَال: فَإِنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ جَائِزًا فِي شَرِيعَتِهِمْ مَا أَطْلَقَ عَلَى الَّذِي فَعَلَهُ أَنَّهُ شَرُّ الْخَلْقِ، هَكَذَا قَال. لَكِنَّ الأَْظْهَرَ أَنَّهُ ذَمَّهُمْ لِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ عَلَى الْقُبُورِ، وَلِجَعْلِهِمُ الصُّوَرَ فِي الْمَسَاجِدِ، لاَ لِمُطْلَقِ التَّصْوِيرِ، لِيُوَافِقَ الآْيَةَ، (٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

تَصْوِيرُ صُورَةِ الإِْنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ فِي الشَّرِيعَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ:

١٩ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي حُكْمِ تَصْوِيرِ ذَوَاتِ الأَْرْوَاحِ مِنَ الإِْنْسَانِ أَوِ الْحَيَوَانِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

٢٠ - الْقَوْل الأَْوَّل:

إِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ حَرَامٍ. وَلاَ يَحْرُمُ مِنْهُ إِلاَّ أَنْ يَصْنَعَ صَنَمًا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ

_________

(١) حديث: " أولئك قوم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١ / ٥٢٤ - ط السلفية) . ومسلم (١ / ٣٧٦ - ط الحلبي) .

(٢) فتح الباري ١٠ / ٣٨٢ (كتاب اللباس ب ٨٨)، وأحكام القرآن للجصاص ٣ / ٣٧٢ نشر نظارة الأوقاف بالقسطنطينية سنة ١٣٣٨ هـ، في تفسير سورة سبأ.

تَعَالَى، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَال أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (١) وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَْصْنَامِ (٢) - وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِالإِْبَاحَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي حَقِّ سُلَيْمَانَ ﵇: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيل وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ (٣) قَالُوا: وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ (٤) .

وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي حَقِّ الْمُصَوِّرِينَ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ (٥) وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ ﵎: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا ذَرَّةً (٦) قَالُوا: وَلَوْ كَانَ هَذَا عَلَى ظَاهِرِهِ لاَقْتَضَى تَحْرِيمَ تَصْوِيرِ الشَّجَرِ وَالْجِبَال وَالشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ

_________

(١) سورة الصافات / ٩٥ - ٩٦.

(٢) حديث: " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام " أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ٤٢٤ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٢٠٧ - ط الحلبي) .

(٣) سورة سبأ / ١٣.

(٤) سورة الأنعام / ٩٠.

(٥) الحديث تقدم تخريجه (ف / ١٥) .

(٦) حديث: " ومن أظلم ممن ذهب. . . " سبق تخريجه (ف / ١٥) .

لاَ يَحْرُمُ بِالاِتِّفَاقِ، فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى مَنْ قَصَدَ أَنْ يَتَحَدَّى صَنْعَةَ الْخَالِقِ ﷿ وَيَفْتَرِيَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يَخْلُقُ مِثْل خَلْقِهِ.

٢١ - وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَقِّ الْمُصَوِّرِينَ إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ (١) قَالُوا: لَوْ حُمِل عَلَى التَّصْوِيرِ الْمُعْتَادِ لَكَانَ ذَلِكَ مُشْكِلًا عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ. فَإِنَّ أَشَدَّ مَا فِيهِ أَنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً كَسَائِرِ الْمَعَاصِي لَيْسَ أَعْظَمَ مِنَ الشِّرْكِ وَقَتْل النَّفْسِ وَالزِّنَا، فَكَيْفَ يَكُونُ فَاعِلُهُ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا، فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى مَنْ صَنَعَ التَّمَاثِيل لِتُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ.

- وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِمَا يَأْتِي مِنَ اسْتِعْمَال الصُّوَرِ فِي بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَبُيُوتِ أَصْحَابِهِ، وَمِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ تَعَامُلُهُمْ بِالدَّنَانِيرِ الرُّومِيَّةِ وَالدَّرَاهِمِ الْفَارِسِيَّةِ دُونَ نَكِيرٍ، وَبِالأَْحْوَال الْفَرْدِيَّةِ لِلاِسْتِعْمَال الْوَاقِعِ مِنْهُمْ مِمَّا يَرِدُ ذِكْرُهُ فِي تَضَاعِيفِ هَذَا الْبَحْثِ، دُونَ تَأْوِيلٍ.

وَقَدْ نَقَل الأَْلُوسِيُّ هَذَا الْقَوْل فِي تَفْسِيرِهِ عِنْدَ تَفْسِيرِ الآْيَةِ " ١٣ " مِنْ سُورَةِ سَبَأٍ، حَيْثُ ذَكَرَ أَنَّ النَّحَّاسَ وَمَكِّيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَابْنَ الْفَرَسِ

_________

(١) حديث: " إن أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٣٨٢ - ط السلفية) من حديث ابن مسعود ﵁.

نَقَلُوهُ عَنْ قَوْمٍ (١) وَلَمْ يُعَيِّنْهُمْ. مِنْ أَجْل ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا الْقَوْل يُغْفِل ذِكْرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمُ الْمُطَوَّلَةِ وَالْمُخْتَصَرَةِ، وَيَقْتَصِرُونَ فِي ذِكْرِ الْخِلاَفِ عَلَى الأَْقْوَال الآْتِيَةِ:

٢٢ - الْقَوْل الثَّانِي:

وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضِ السَّلَفِ، وَوَافَقَهُمْ ابْنُ حَمْدَانَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُ لاَ يَحْرُمُ مِنَ التَّصَاوِيرِ إِلاَّ مَا جَمَعَ الشُّرُوطَ الآْتِيَةَ:

الشَّرْطُ الأَْوَّل: أَنْ تَكُونَ صُورَةُ الإِْنْسَانِ أَوِ الْحَيَوَانِ مِمَّا لَهُ ظِلٌّ، أَيْ تَكُونُ تِمْثَالًا مُجَسَّدًا، فَإِنْ كَانَتْ مُسَطَّحَةً لَمْ يَحْرُمْ عَمَلُهَا، وَذَلِكَ كَالْمَنْقُوشِ فِي جِدَارٍ، أَوْ وَرَقٍ، أَوْ قُمَاشٍ. بَل يَكُونُ مَكْرُوهًا. وَمِنْ هُنَا نَقَل ابْنُ الْعَرَبِيِّ الإِْجْمَاعَ عَلَى أَنَّ تَصْوِيرَ مَا لَهُ ظِلٌّ حَرَامٌ.

الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ كَامِلَةَ الأَْعْضَاءِ، فَإِنْ كَانَتْ نَاقِصَةَ عُضْوٍ مِمَّا لاَ يَعِيشُ الْحَيَوَانُ مَعَ فَقْدِهِ لَمْ يَحْرُمْ، كَمَا لَوْ صَوَّرَ الْحَيَوَانَ مَقْطُوعَ الرَّأْسِ أَوْ مَخْرُوقَ الْبَطْنِ أَوِ الصَّدْرِ.

_________

(١) تفسير الألوسي المسمى روح المعاني (القاهرة، إدارة الطباعة المنيرية ١٩٥٥ م) ٢٢ / ١٩. ونسب في مجلة الوعي الإسلامي (سنة ١٣٨٧ هـ العدد ٢٩ ص ٥٧، ٥٨ في مقال للسيد محمد رجب البيلي) إلى الشيخ عبد العزيز جاويش.

الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَصْنَعَ الصُّورَةَ مِمَّا يَدُومُ مِنَ الْحَدِيدِ أَوِ النُّحَاسِ أَوِ الْحِجَارَةِ أَوِ الْخَشَبِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنْ صَنَعَهَا مِمَّا لاَ يَدُومُ كَقِشْرِ بِطِّيخٍ أَوْ عَجِينٍ لَمْ يَحْرُمْ؛ لأَِنَّهُ إِذَا نَشَفَ تَقَطَّعَ. عَلَى أَنَّ فِي هَذَا النَّوْعِ عِنْدَهُمْ خِلاَفًا، فَقَدْ قَال الأَْكْثَرُ مِنْهُمْ: يَحْرُمُ وَلَوْ كَانَ مِمَّا لاَ يَدُومُ.

وَنُقِل قَصْرُ التَّحْرِيمِ عَلَى ذَوَاتِ الظِّل عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَيْضًا كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ (١) .

وَقَال ابْنُ حَمْدَانَ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: الْمُرَادُ بِالصُّورَةِ أَيِ: الْمُحَرَّمَةِ مَا كَانَ لَهَا جِسْمٌ مَصْنُوعٌ لَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ وَعُمْقٌ.

٢٣ - الْقَوْل الثَّالِثُ:

أَنَّهُ يَحْرُمُ تَصْوِيرُ ذَوَاتِ الأَْرْوَاحِ مُطْلَقًا، أَيْ سَوَاءٌ أَكَانَ لِلصُّورَةِ ظِلٌّ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ. وَتَشَدَّدَ النَّوَوِيُّ حَتَّى ادَّعَى الإِْجْمَاعَ عَلَيْهِ. وَفِي دَعْوَى الإِْجْمَاعِ نَظَرٌ يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي. وَقَدْ شَكَّكَ فِي صِحَّةِ الإِْجْمَاعِ ابْنُ نُجَيْمٍ كَمَا فِي الطَّحْطَاوِيِّ عَلَى الدُّرِّ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ لاَ يَرَوْنَ تَحْرِيمَ الصُّوَرِ الْمُسَطَّحَةِ. لاَ يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ.

_________

(١) متن خليل، وعليه شرح الدردير وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٣٧، ٣٣٨، وغذاء الألباب للسفاريني شرح منظومة الآداب ٢ / ١٨٠، وشرح النووي على صحيح مسلم، (القاهرة، المطبعة العصرية ١٣٤٩ هـ كتاب اللباس) ١١ / ٨٠، وفتح الباري ١٠ / ٣٨٨. ولم نجد النص على ما نقل عن ابن العربي في أحكام القرآن فلعله في غير ذلك من كتبه.

وَهَذَا التَّحْرِيمُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ هُوَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. وَيُسْتَثْنَى عِنْدَهُمْ بَعْضُ الْحَالاَتِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا أَوِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا مِمَّا سَيُذْكَرُ فِيمَا بَعْدُ. (١)

- وَالتَّصْوِيرُ الْمُحَرَّمُ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ مِنَ الْكَبَائِرِ. قَالُوا: لِمَا فِي الْحَدِيثِ مِنَ التَّوَعُّدِ عَلَيْهِ بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ. (٢)

أَدِلَّةُ الْقَوْلَيْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ بِتَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ:

٢٤ - اسْتَنَدَ الْعُلَمَاءُ فِي تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ إِلَى الأَْحَادِيثِ التَّالِيَةِ:

الْحَدِيثُ الأَْوَّل: عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَدِمَ رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ سَفَرٍ، وَقَدْ سَتَرْتُ سَهْوَةً لِي بِقِرَامٍ فِيهِ تَمَاثِيل، فَلَمَّا رَآهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ هَتَكَهُ، وَتَلَوَّنَ وَجْهُهُ. فَقَال: يَا عَائِشَةُ: أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ

_________

(١) الطحطاوي على الدر المختار ١ / ٢٧٣، والأم للشافعي، (القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، ١٣٨١ هـ) ٦ / ١٨٢، والزواجر عن اقتراف الكبائر لابن حجر الهيثمي الشافعي ٢ / ٢٨٢، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي، الحنبلي، (القاهرة، مطبعة أنصار السنة) ١ / ٤٧٤.

(٢) كشاف القناع للبهوتي شرح الإقناع للحجاوي الحنبلي، (الرياض، مكتبة النصر الحديثة) ١ / ٢٧٩، ٢٨٠، والآداب الشرعية لابن مفلح ٣ / ٥١٣. وقد تقدم تخريج الحديث ف / ٢١.

يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَطَعْنَاهُ فَجَعَلْنَا مِنْهُ وِسَادَةً أَوْ وِسَادَتَيْنِ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَال: إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ (١) . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَال: إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَيُقَال لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ.

وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّهَا قَالَتْ: فَأَخَذْتُ السِّتْرَ فَجَعَلْتُهُ مِرْفَقَةً أَوْ مِرْفَقَتَيْنِ، فَكَانَ يَرْتَفِقُ بِهِمَا فِي الْبَيْتِ. وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا. (٢)

هَذَا وَإِنَّ قَوْلَهُ ﷺ: إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁. (٣) وَقَوْلُهُ: إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُقَال لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ رَوَيَاهُ أَيْضًا

_________

(١) حديث: " يا عائشة، أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ - ٣٨٧ - ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٦٦٨ ط الحلبي) .

(٢) حديث: " إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٦٦٧ ط الحلبي) . وحديث: " إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٣٨٩ ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٦٦٩ ط الحلبي) ورواية: " فأخذت الستر فجعلته مرفقة ". أخرجه مسلم (٣ / ١٦٦٩ ط الحلبي) .

(٣) الحديث تقدم تخريجه ف ٢٣.

مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄.

الْحَدِيثُ الثَّانِي:

عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: وَاعَدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ جِبْرِيل أَنْ يَأْتِيَهُ فِي سَاعَةٍ، فَجَاءَتْ تِلْكَ السَّاعَةُ وَلَمْ يَأْتِهِ. قَالَتْ: وَكَانَ بِيَدِهِ عَصًا فَطَرَحَهَا، وَهُوَ يَقُول: مَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلاَ رُسُلَهُ. ثُمَّ الْتَفَتَ، فَإِذَا جَرْوُ كَلْبٍ تَحْتَ سَرِيرٍ، فَقَال: مَتَى دَخَل هَذَا الْكَلْبُ؟ فَقُلْتُ: وَاللَّهِ مَا دَرَيْتُ بِهِ. فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ، فَجَاءَهُ جِبْرِيل، فَقَال لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ: وَعَدْتنِي فَجَلَسْتُ لَكَ وَلَمْ تَأْتِنِي؟ فَقَال: مَنَعَنِي الْكَلْبُ الَّذِي كَانَ فِي بَيْتِكَ. إِنَّا لاَ نَدْخُل بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلاَ صُورَةٌ. (١) وَرَوَتْ مَيْمُونَةُ ﵂ حَادِثَةً مِثْل هَذِهِ، وَفِيهَا قَوْل جِبْرِيل: إِنَّا لاَ نَدْخُل بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلاَ صُورَةٌ. (٢) وَرَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَهُ بِحَادِثَةِ جِبْرِيل، وَمَا قَال لَهُ. وَرَوَى الْقِصَّةَ أَيْضًا أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁.

_________

(١) حديث: " واعد رسول الله ﷺ جبريل. . . " أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٣٩١ ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٦٦٤ ط الحلبي) .

(٢) حديث: " إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة " أخرجه مسلم (٣ / ١٦٦٤ - ١٦٦٥ ط الحلبي) .

الْحَدِيثُ الثَّالِثُ:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ دَخَل دَارًا تُبْنَى بِالْمَدِينَةِ لِسَعِيدٍ، أَوْ لِمَرْوَانَ، فَرَأَى مُصَوِّرًا يُصَوِّرُ فِي الدَّارِ، فَقَال سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: قَال اللَّهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي، فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً. (١)

الْحَدِيثُ الرَّابِعُ:

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَال: إِنِّي رَجُلٌ أُصَوِّرُ هَذِهِ الصُّوَرَ فَأَفْتِنِي فِيهَا. فَقَال: ادْنُ مِنِّي، فَدَنَا مِنْهُ، ثُمَّ قَال: ادْنُ مِنِّي، فَدَنَا مِنْهُ، حَتَّى وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَال: أُنَبِّئُكَ بِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ. سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: كُل مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ، يُجْعَل لَهُ بِكُل صُورَةٍ صَوَّرَهَا نَفْسًا، فَيُعَذِّبُهُ فِي جَهَنَّمَ ثُمَّ قَال: إِنْ كُنْتَ لاَ بُدَّ فَاعِلًا فَاصْنَعِ الشَّجَرَ وَمَا لاَ نَفْسَ لَهُ (٢) .

الْحَدِيثُ الْخَامِسُ:

عَنْ أَبِي الْهَيَّاجِ الأَْسَدِيِّ أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَال لَهُ: أَلاَ أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ: أَلاَّ تَدَعَ صُورَةً إِلاَّ طَمَسْتَهَا، وَلاَ قَبْرًا مُشْرِفًا إِلاَّ سَوَّيْتَهُ. (٣)

_________

(١) الحديث تقدم تخريجه ف / ١٥.

(٢) حديث: " كل مصور في النار ". أخرجه مسلم (٣ / ١٦٧٠ ط الحلبي) .

(٣) حديث: " ألا أبعثك على ما بعثني به رسول الله ﷺ " أخرجه مسلم (٢ / ٦٦٦، ٦٦٧ ط الحلبي) .

تَعْلِيل تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ:

٢٥ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي عِلَّةِ تَحْرِيمِ التَّصْوِيرِ عَلَى وُجُوهٍ:

الْوَجْهُ الأَْوَّل: أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ مَا فِي التَّصْوِيرِ مِنْ مُضَاهَاةِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَصْل التَّعْلِيل بِذَلِكَ وَارِدٌ فِي الأَْحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ، كَلَفْظِ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂: الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ (١) وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي (٢) وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ حَدِيثُ: مَنْ صَوَّرَ صُورَةً كُلِّفَ أَنْ يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ (٣) وَحَدِيثِ: أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ. يُقَال لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ. (٤) وَمِمَّا يُكَدِّرُ عَلَى التَّعْلِيل بِهَذَا أَمْرَانِ:

الأَْوَّل: أَنَّ التَّعْلِيل بِهَذَا يَقْتَضِي مَنْعَ تَحْرِيمِ تَصْوِيرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْجِبَال وَالشَّجَرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ ذَوَاتِ الأَْرْوَاحِ.

وَالثَّانِي: أَنَّ التَّعْلِيل بِذَلِكَ يَقْتَضِي أَيْضًا مَنْعَ تَصْوِيرِ لُعَبِ الْبَنَاتِ وَالْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ، وَغَيْرِ

_________

(١) انفرد بهذه الرواية ورواية " يشبهون بخلق " عبد الرحمن بن القاسم عن عائشة. وحديثه في صحيح البخاري (كتاب اللباس ب ٩١) ومسلم (لباس ح ٩١، ٩٢) والنسائي (زينة باب ١١٢) وأحمد (٦ / ٣٦، ٨٣، ٢١٩) .

(٢) الحديث تقدم تخريجه في الفقرة السابقة.

(٣) الحديث تقدم تخريجه ف / ١٦.

(٤) الحديث تقدم تخريجه ف ١٥.