الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١١
وَقَال الْقُرْطُبِيُّ: الزِّينَةُ الْمُكْتَسَبَةُ مَا تُحَاوِل الْمَرْأَةُ أَنْ تُحَسِّنَ نَفْسَهَا بِهِ، كَالثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ وَالْكُحْل وَالْخِضَابِ (١)، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُل مَسْجِدٍ﴾ (٢)
أَمَّا كُلٌّ مِنَ التَّحَسُّنِ وَالتَّجَمُّل فَيَكُونُ بِزِيَادَةٍ مُتَّصِلَةٍ بِالأَْصْل أَوْ نُقْصَانٍ فِيهِ، كَمَا تُفِيدُهُ الآْيَةُ الْكَرِيمَةُ: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ (٣) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٥ - الأَْصْل فِي التَّزَيُّنِ: الاِسْتِحْبَابُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (٤) وَقَوْلُهُ ﷺ مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعْمَةً، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ (٥) .
فَفِي هَذِهِ الآْيَةِ دَلاَلَةٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ لُبْسِ الرَّفِيعِ مِنَ الثِّيَابِ، وَالتَّجَمُّل بِهَا فِي الْجُمَعِ وَالأَْعْيَادِ وَعِنْدَ لِقَاءِ النَّاسِ وَزِيَارَةِ الإِْخْوَانِ. قَال أَبُو الْعَالِيَةِ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا تَزَاوَرُوا تَجَمَّلُوا.
وَقَدْ رَوَى مَكْحُولٌ عَنْ عَائِشَةَ ﵂
_________
(١) تفسير القرطبي ١٢ / ٢٢٩، وانظر تفسير ابن كثير ٢ / ٢١٠، ٣ / ٣٠٤.
(٢) سورة الأعراف / ٣١.
(٣) سورة غافر / ٦٤.
(٤) سورة الأعراف / ٣٢.
(٥) حديث: " من أنعم الله عليه نعمة. . . " أخرجه أحمد (٤ / ٤٣٨ - ط الميمنية) وقال الهيثمي: رجاله ثقات (المجمع ٥ / ١٣٢ - ط القدسي) .
قَالَتْ: كَانَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُونَهُ عَلَى الْبَابِ، فَخَرَجَ يُرِيدُهُمْ، وَفِي الدَّارِ رَكْوَةٌ فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَل يَنْظُرُ فِي الْمَاءِ وَيُسَوِّي لِحْيَتَهُ وَشَعْرَهُ. فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ. وَأَنْتَ تَفْعَل هَذَا؟ قَال: نَعَمْ، إِذَا خَرَجَ الرَّجُل إِلَى إِخْوَانِهِ فَلْيُهَيِّئْ مِنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَال (١) وَالأَْحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ تَدُل كُلُّهَا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّزَيُّنِ وَتَحْسِينِ الْهَيْئَةِ (٢) .
٦ - وَيَنْبَغِي أَلاَّ يُقْصَدَ بِالتَّزَيُّنِ التَّكَبُّرُ وَلاَ الْخُيَلاَءُ؛ لأَِنَّ قَصْدَ ذَلِكَ حَرَامٌ.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ فِي حَاشِيَتِهِ مَا نَصُّهُ: اعْلَمْ أَنَّهُ لاَ تَلاَزُمَ بَيْنَ قَصْدِ الْجَمَال وَقَصْدِ الزِّينَةِ، فَالْقَصْدُ الأَْوَّل: لِدَفْعِ الشَّيْنِ وَإِقَامَةِ مَا بِهِ الْوَقَارُ وَإِظْهَارُ النِّعْمَةِ، شُكْرًا لاَ فَخْرًا، وَهُوَ أَثَرُ أَدَبِ النَّفْسِ وَشَهَامَتِهَا.
وَأَمَّا الثَّانِي: وَهُوَ قَصْدُ الزِّينَةِ أَثَرُ ضَعْفِهَا، وَقَالُوا بِالْخِضَابِ وَرَدَتِ السُّنَّةُ وَلَمْ يَكُنْ لِقَصْدِ الزِّينَةِ. ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إِنْ حَصَلَتْ زِينَةٌ فَقَدْ حَصَلَتْ فِي ضِمْنِ قَصْدٍ مَطْلُوبٍ فَلاَ يَضُرُّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُلْتَفِتًا إِلَيْهِ. وَلِهَذَا قَال فِي الْوَلْوَالِجِيَّةِ: لُبْسُ
_________
(١) حديث: " إذا خرج الرجل إلى إخوانه. . . " أخرجه السمعاني في أدب الإملاء والاستملاء (ص ٣٢ - ط ليدن) وفي إسناده انقطاع بين مكحول وعائشة.
(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٤٨١، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧ / ١٩٥ - ١٩٨.
الثِّيَابِ الْجَمِيلَةِ مُبَاحٌ إِذَا كَانَ لاَ يَتَكَبَّرُ؛ لأَِنَّ التَّكَبُّرَ حَرَامٌ، وَتَفْسِيرُهُ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا كَمَا كَانَ قَبْلَهَا. (١)
٧ - هَذَا، وَقَدْ تَعْرِضُ لِلتَّزَيُّنِ أَحْكَامٌ تَكْلِيفِيَّةٌ أُخْرَى، فَمِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ، وَمَا هُوَ مَكْرُوهٌ، وَمَا هُوَ حَرَامٌ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا هُوَ وَاجِبٌ: سَتْرُ الْعَوْرَةِ، وَتَزَيُّنُ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا مَتَى طَلَبَ مِنْهَا ذَلِكَ.
وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ: تَزَيُّنُ الرَّجُل لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ، وَخِضَابُ الشَّيْبِ لِلرَّجُل وَالْمَرْأَةِ (٢) . (ر: اخْتِضَابٌ) .
وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا هُوَ مَكْرُوهٌ: لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ وَالْمُزَعْفَرِ لِلرِّجَال (٣) .
وَمِنْ أَمْثِلَةِ مَا هُوَ حَرَامٌ: تَشَبُّهُ الرِّجَال بِالنِّسَاءِ وَالْعَكْسُ فِي التَّزَيُّنِ (٤)، وَتَزَيُّنُ الرَّجُل بِالذَّهَبِ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ١١٣.
(٢) الاختيار شرح المختار ١ / ٤٥، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٦٧ - ٧١، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٧٧ - ٥٧٩ م الرياض الحديثة، وحاشية ابن عابدين ١ / ٥٤٥، ٥٥٦، ٢ / ٦٥٢، ٣ / ١٨٨، ٥ / ٢٢٣، ٢٧٤، ٤٨١ - ٤٨٢، وفتح القدير ٢ / ٤٠، وروضة الطالبين ٧ / ٣٤٤، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٢ / ٤٦، ٩٨، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ١ / ٣٨١، ٣٩٨، وجواهر الإكليل ١ / ٩٦، ١٠٣، وكشاف القناع عن متن الإقناع ٢ / ٤٢، ٥١ ط النصر الحديثة.
(٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ٤٨١ - ٤٨٢.
(٤) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٦١، ٢٦٩، ٢٧١، وروضة الطالبين ٢ / ٢٦٣، والمكتب الإسلامي، ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٢ / ٣٦٢، وكشاف القناع عن متن الإقناع ١ / ٢٨٥ - ٢٨٦ ط النصر الحديثة.
وَلُبْسُهُ الْحَرِيرَ إِلاَّ لِعَارِضٍ. (١) وَتَزَيُّنُ مُعْتَدَّةِ الْوَفَاةِ (٢) . وَتَزَيُّنُ الْمُحْرِمِ بِمَا أُمِرَ بِاجْتِنَابِهِ كَالطِّيبِ (٣) . وَتَزَيُّنُ الْمَرْأَةِ لِغَيْرِ زَوْجِهَا (٤)، وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ وَتَفْصِيلُهَا فِي مَوَاضِعِهَا.
مَا يَكُونُ بِهِ التَّزَيُّنُ:
٨ - لِكُل شَخْصٍ زِينَتُهُ الَّتِي يَتَزَيَّنُ بِهَا، فَمَثَلًا زِينَةُ الزَّوْجَةِ لِزَوْجِهَا فِي مَلْبَسِهَا وَحُلِيِّهَا وَطِيبِهَا، وَزِينَةُ الرَّجُل يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ أَنْ يَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ، وَيُفَضَّل الْبَيَاضُ مِنْهَا، وَيَتَطَيَّبُ.
٩ - وَيَحْرُمُ عَلَى الرَّجُل التَّزَيُّنُ بِالْحَرِيرِ، وَالتَّحَلِّي بِالذَّهَبِ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ أَخَذَ فِي يَمِينِهِ قِطْعَةَ
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٢٤، ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٢ / ٣٦١، ٣٦٥، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ١ / ٦٢، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٨٨ الرياض الحديثة، والآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح الحنبلي ٣ / ٢.
(٢) ابن عابدين ٢ / ٥٣٦، ٦١٦ - ٦١٧، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٤ / ٤٥٧، وجواهر الإكليل ١ / ٣٨٩، ونيل المآرب لشرح دليل الطالب ٢ / ١٠٩ م الفلاح، ومنار السبيل في شرح الدليل ٢ / ٢٨٥ المكتب الإسلامي.
(٣) الاختيار شرح المختار ١ / ١٤٣، والمهذب في فقه الإمام الشافعي ١ / ٢١٤ - ٢١٦، والشرح الكبير ٢ / ٥٤ - ٦١، وكشاف القناع عن متن الإقناع ٢ / ٣٦٦، ٤٢٩، ٤٣٠، ٤٤٧ - ٤٤٨.
(٤) الآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح الحنبلي ٣ / ٣٥٦ م. الرياض الحديثة.
حَرِيرٍ وَفِي شِمَالِهِ قِطْعَةَ ذَهَبٍ، وَقَال: هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي (١)
وَلِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ، فَإِنَّ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الآْخِرَةِ (٢)
وَلِمَا فِي ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُل مِنْ مَعْنَى الْخُيَلاَءِ وَالرَّفَاهِيَةِ مِمَّا لاَ يَلِيقُ بِالرِّجَال، وَهَذَا مَا قَالَهُ الْفُقَهَاءُ. (٣)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى: أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلرَّجُل لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ وَالْمُزَعْفَرِ، وَقَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَقَال: إِنَّ هَذَا مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلاَ تَلْبَسْهُمَا (٤) وَيَحْرُمُ عِنْدَ بَعْضِ
_________
(١) حديث: " هذان حرام على ذكور أمتي. . . " أخرجه أحمد (١ / ١١٥ - ط الميمنية) والنسائي (٨ / ١٦١ - ط المكتبة التجارية)، من حديث علي بن أبي طالب ﵁ وهو صحيح لطرقه. (التلخيص لابن حجر ٣ / ٥٢ - ٥٤ - ط شركة الطباعة الفنية) .
(٢) حديث: " لا تلبسوا الحرير فإن من لبسه. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٢٨٤ - ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٦٤٢ - ط الحلبي) واللفظ لمسلم.
(٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٢٤، ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٢ / ٣٦١ - ٣٦٢، والشرح الكبير ١ / ٦٤، وجواهر الإكليل ١ / ١٠ - ١١، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٨٨ م. الرياض الحديثة، والآداب الشرعية ٣ / ٢.
(٤) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٣١، والشرح الكبير ٢ / ٥٩، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٨٥. وحديث: " إن هذه من ثياب. . . " أخرجه مسلم (٣ / ١٦٤٧ - ط الحلبي) .
الشَّافِعِيَّةِ الْمُزَعْفَرُ دُونَ الْمُعَصْفَرِ. وَفِي قَوْلٍ آخَرَ: عِنْدَهُمْ يَحْرُمُ الْمُعَصْفَرُ كَذَلِكَ. (١)
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: يُكْرَهُ لِوَلِيِّ الصَّغِيرِ إِلْبَاسُهُ الذَّهَبَ وَالْحَرِيرَ، وَأَجَازُوا إِلْبَاسَهُ الْفِضَّةَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ. (٢)
وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي ذَلِكَ قَوْلاَنِ:
أَحَدُهُمَا: الْجَوَازُ. وَالثَّانِي: الْمَنْعُ، لِعُمُومِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الْحَرِيرُ وَالذَّهَبُ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي، وَحِلٌّ لإِنَاثِهِمْ (٣) .
وَجَازَ لِلْمَرْأَةِ التَّزَيُّنُ بِالْمَلْبُوسِ، ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ مُحَلًّى بِهِمَا أَوْ حَرِيرًا، أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَى اللِّبَاسِ مِنْ زِرٍّ وَفُرُشٍ وَمَسَانِدَ، وَلَوْ نَعْلًا وَقَبْقَابًا، (٤) وَتَفْصِيلُهُ فِي بَحْثِ: (أَلْبِسَةٌ) .
١٠ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الرِّجَال أَنْ يَتَشَبَّهُوا بِالنِّسَاءِ فِي الْحَرَكَاتِ وَلِينِ الْكَلاَمِ وَالزِّينَةِ وَاللِّبَاسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُْمُورِ
_________
(١) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٢ / ٣٦٩.
(٢) رد المحتار على الدر المختار ٥ / ٢٢٤، ٢٣١، الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ١ / ٦٢.
(٣) حديث: " الحرير والذهب حرام على. . . " أخرجه أحمد (٤ / ٣٩٤ - ط الميمنية) والنسائي (٨ / ١٦١ - ط المكتبة التجارية) من حديث أبي موسى ﵁، واللفظ لأحمد. وهو صحيح لطرقه. (التلخيص ٣ / ٥٣ - ط شركة الطباعة الفنية) .
(٤) نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٢ / ٣٦٤ - ٣٦٥، والمغني لابن قدامة ١ / ٥٩٠ - ٥٩٢ ط الرياض الحديثة، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ١ / ٦٤، وجواهر الإكليل ١ / ١١.
الْخَاصَّةِ بِهِنَّ عَادَةً أَوْ طَبْعًا. وَأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى النِّسَاءِ أَيْضًا أَنْ يَتَشَبَّهْنَ بِالرِّجَال فِي مِثْل ذَلِكَ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: لَعَنَ رَسُول اللَّهِ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَال بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَال (١) وَضَبَطَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ مَا يَحْرُمُ التَّشَبُّهُ بِهِنَّ فِيهِ: بِأَنَّهُ مَا كَانَ مَخْصُوصًا بِهِنَّ فِي جِنْسِهِ وَهَيْئَتِهِ أَوْ غَالِبًا فِي زِيِّهِنَّ، وَكَذَا يُقَال عَكْسُهُ. (٢)
(ر: تَشَبُّهٌ) .
التَّزَيُّنُ فِي الْمُنَاسَبَاتِ:
١١ - يُسْتَحَبُّ التَّزَيُّنُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لِلْجُمَعِ وَالأَْعْيَادِ، وَعِنْدَ لِقَاءِ النَّاسِ وَتَزَاوُرِ الإِْخْوَانِ. وَذَلِكَ بِلُبْسِ أَحْسَنِ الثِّيَابِ وَالتَّطَيُّبِ، وَكَذَلِكَ التَّنْظِيفُ بِحَلْقِ الشَّعْرِ وَقَلْمِ الظُّفْرِ وَالسِّوَاكِ وَالاِغْتِسَال أَيَّامَ الْعِيدِ وَالْجُمُعَةِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يَغْتَسِل يَوْمَ الْفِطْرِ
_________
(١) حديث ابن عباس ﵁: " لعن رسول الله المتشبهين من الرجال. . . ". أخرجه البخاري (الفتح ١٠ / ٣٣٢ - ط السلفية) .
(٢) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٦١، ٢٦٩، ٢٧١، وروضة الطالبين ٢ / ٢٦٣ المكتب الإسلامي، ونهاية المحتاج إلى شرح المنهاج ٢ / ٣٦٢، وكشاف القناع عن متن الإقناع ١ / ٢٨٥ - ٢٨٦ م. النصر الحديثة، وفتح الباري لابن حجر العسقلاني ١٠ / ٣٣٢ - ٣٣٣ م. السعودية، ونزهة المتقين شرح كتاب رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين للنووي ٢ / ١١٢١ ط مؤسسة الرسالة.
وَالأَْضْحَى (١) وَرُوِيَ أَيْضًا أَنَّهُ ﷺ قَال فِي جُمُعَةٍ مِنَ الْجُمَعِ إِنَّ هَذَا يَوْمٌ جَعَلَهُ اللَّهُ عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ، فَاغْتَسِلُوا، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طِيبٌ فَلاَ يَضُرُّهُ أَنْ يَمَسَّ مِنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ (٢) وَرَوَى جَابِرٌ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَعْتَمُّ، وَيَلْبَسُ بُرْدَهُ الأَْحْمَرَ فِي الْعِيدَيْنِ وَالْجُمُعَةِ (٣) .
وَقَدْ رَوَى مَكْحُولٌ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَنْتَظِرُونَهُ عَلَى الْبَابِ فَخَرَجَ يُرِيدُهُمْ وَفِي الدَّارِ رَكْوَةٌ فِيهَا مَاءٌ فَجَعَل يَنْظُرُ فِي الْمَاءِ وَيُسَوِّي لِحْيَتَهُ وَشَعْرَهُ، فَقُلْتُ يَا رَسُول اللَّهِ وَأَنْتَ تَفْعَل هَذَا؟ قَال نَعَمْ، إِذَا خَرَجَ الرَّجُل إِلَى إِخْوَانِهِ فَلْيُهَيِّئْ مِنْ نَفْسِهِ فَإِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَال (٤) (ر: تَحْسِينٌ ف ٧ - ١٠) .
وَهَذَا كُلُّهُ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجَال، وَالإِْمَامُ بِذَلِكَ أَحَقُّ لأَِنَّهُ الْمَنْظُورُ إِلَيْهِ مِنْ بَيْنِهِمْ. (٥) وَالتَّفْصِيل يُنْظَرُ فِي بَحْثَيْ: (جُمُعَةٌ وَعِيدٌ) .
_________
(١) حديث: " كان يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى " أخرجه ابن ماجه (١ / ٤١٧ - ط الحلبي) وقال ابن القطان: هذا حديث معلول بجبارة بن المفلس، فإنه ضعيف.
(٢) حديث: " إن هذا يوم جعله الله. . . " أخرجه ابن ماجه (١ / ٣٤٩ - ط الحلبي) من حديث ابن عباس ﵁، وهو صحيح لطرقه.
(٣) حديث: " كان يلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة " أخرجه البيهقي في سننه (٣ / ٢٤٧ - ط دائرة المعارف العثمانية) وفي إسناده ضعف.
(٤) سبق تخريجه (ف / ٥) .
(٥) ابن عابدين ١ / ٥٤٥، ٥٥٦، والدسوقي ١ / ٣٨١، ٣٩٨، وجواهر الإكليل ١ / ٩٦، ١٠٣، وتفسير القرطبي ٧ / ١٩٥ - ١٩٧، وروضة الطالبين ٢ / ٤٥، ٧٦، وحاشية الجمل ٢ / ٣٧، ٣٨، ٤٦، ٤٧، ٩٨، وكشاف القناع ٢ / ٤٢، ٥١، ٥٢، والمغني ٢ / ٣٧٠.
التَّزَيُّنُ لِلصَّلاَةِ
١٢ - يُسْتَحَبُّ التَّزَيُّنُ لِلصَّلاَةِ خُشُوعًا لِلَّهِ وَاسْتِحْضَارًا لِعَظَمَتِهِ، لاَ تَكَبُّرًا وَخُيَلاَءَ، فَإِنَّهُ حَرَامٌ. وَالْمُسْتَحَبُّ لِلرَّجُل أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلاَّ وَاحِدًا يَتَوَشَّحُ بِهِ جَازَ؛ لِحَدِيثِ: إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَلْبَسْ ثَوْبَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ أَحَقُّ مَنْ تُزُيِّنَ لَهُ (١)
قَال ابْنُ قُدَامَةَ فِي بَيَانِ الْفَضِيلَةِ فِي لِبَاسِ الصَّلاَةِ: وَهُوَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنَّهُ إِذًا أَبْلَغُ فِي السَّتْرِ، يُرْوَى عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَال: إِذَا أَوْسَعَ اللَّهُ فَأَوْسِعُوا، جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ، وَصَلَّى رَجُلٌ فِي إِزَارٍ وَبُرْدٍ، أَوْ فِي إِزَارٍ وَقَمِيصٍ. فِي إِزَارٍ وَقَبَاءٍ، فِي سَرَاوِيل وَرِدَاءٍ، فِي سَرَاوِيل وَقَمِيصٍ، فِي سَرَاوِيل وَقَبَاءٍ، فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عُمَرَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ أَوْ قَال عُمَرُ: إِذَا كَانَ لأَِحَدِكُمْ ثَوْبَانِ فَلْيُصَل فِيهِمَا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلاَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ فَلْيَتَّزِرْ بِهِ، وَلاَ يَشْتَمِل اشْتِمَال الْيَهُودِ (٢) .
قَال التَّمِيمِيُّ: الثَّوْبُ الْوَاحِدُ
_________
(١) حديث: " إذا صلى أحدكم فليلبس ثوبيه. . . " أخرجه البيهقي (٢ / ٢٣٦ - ط دائرة المعارف العثمانية) موقوفا على ابن عمر ﵄، وإسناده صحيح.
(٢) حديث: " إذا كان لأحدكم ثوبان. . . " أخرجه أبو داود (١ / ٤١٨) ط عبيد الدعاس، والبيهقي (٢ / ٢٣٦) ط دار المعرفة، وقال الأرناؤوط، إسناده صحيح (شرح السنة ٢ / ٤٢٣ ط المكتب الإسلامي) .
يُجْزِئُ، وَالثَّوْبَانِ أَحْسَنُ، وَالأَْرْبَعُ أَكْمَل: قَمِيصٌ وَسَرَاوِيل وَعِمَامَةٌ وَإِزَارٌ. وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ عُمَرَ ﵁: أَنَّهُ رَأَى نَافِعًا يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، قَال: أَلَمْ تَكْتَسِ ثَوْبَيْنِ: قُلْتُ: بَلَى. قَال: فَلَوْ أُرْسِلْتَ فِي الدَّارِ، أَكُنْتَ تَذْهَبُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ؟ قُلْتُ: لاَ. قَال: فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُزَّيَّنَ لَهُ أَوِ النَّاسُ؟ قُلْتُ: بَل اللَّهُ.
وَقَال الْقَاضِي: ذَلِكَ فِي الإِْمَامِ آكَدُ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ؛ لأَِنَّهُ بَيْنَ يَدَيِ الْمَأْمُومِينَ، وَتَتَعَلَّقُ صَلاَتُهُمْ بِصَلاَتِهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلاَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ فَالْقَمِيصُ؛ لأَِنَّهُ أَعَمُّ فِي السَّتْرِ، فَإِنَّهُ يَسْتُرُ جَمِيعَ الْجَسَدِ إِلاَّ الرَّأْسَ وَالرِّجْلَيْنِ، ثُمَّ الرِّدَاءُ؛ لأَِنَّهُ يَلِيهِ فِي السَّتْرِ، ثُمَّ الْمِئْزَرُ، ثُمَّ السَّرَاوِيل. وَلاَ يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ إِلاَّ مَا سَتَرَ الْعَوْرَةَ عَنْ غَيْرِهِ وَعَنْ نَفْسِهِ. (١) وَالتَّفْصِيل فِي بَحْثِ (أَلْبِسَةٌ) .
التَّزَيُّنُ فِي الإِْحْرَامِ:
١٣ - يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ أَنْ تَلْبَسَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ وَالْحُلِيِّ، إِلاَّ أَنَّ فِي لُبْسِهَا الْقُفَّازَيْنِ وَالْخَلْخَال خِلاَفًا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ. فَرَخَّصَ فِيهِ عَلِيٌّ وَعَائِشَةُ ﵄، وَبِهِ قَال الثَّوْرِيُّ
_________
(١) المغني ١ / ٥٨٣ ط. الرياض، ومغني المحتاج ١ / ١٨٤، وابن عابدين ١ / ٢٧٠ وما بعدها.