الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١ الصفحة 47

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١

مَصْنَعًا، وَإِنِ اسْتَأْجَرَ الدَّابَّةَ لِرُكُوبِهِ الْخَاصِّ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَّخِذَهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، (١) (عَلَى التَّفْصِيل الَّذِي سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَنْ إِجَارَةِ الأَْرْضِ وَالدُّورِ وَالدَّوَابِّ) . وَعَلَى الْمُسْتَأْجِرِ إِصْلاَحُ مَا تَلِفَ مِنَ الْعَيْنِ بِسَبَبِ اسْتِعْمَالِهِ. (٢)

وَلاَ خِلاَفَ فِي أَنَّ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُسْتَأْجِرِ، فَلَوْ هَلَكَتْ دُونَ اعْتِدَاءٍ مِنْهُ أَوْ مُخَالَفَةِ الْمَأْذُونِ فِيهِ إِلَى مَا هُوَ أَشَدُّ، أَوْ دُونَ تَقْصِيرٍ فِي الصِّيَانَةِ وَالْحِفْظِ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّ قَبْضَ الإِْجَارَةِ قَبْضٌ مَأْذُونٌ فِيهِ، فَلاَ يَكُونُ مَضْمُونًا. وَسَيَأْتِي تَفْصِيل هَذَا فِي مَوْضِعِهِ.

ج - رَفْعُ الْمُسْتَأْجِرِ يَدَهُ عَنِ الْعَيْنِ عِنْدَ انْتِهَاءِ الإِْجَارَةِ:

٥٨ - بِمُجَرَّدِ انْقِضَاءِ الإِْجَارَةِ يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ رَفْعُ يَدِهِ عَنِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ لِيَسْتَرِدَّهَا الْمُؤَجِّرُ، فَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ طَلَبُ اسْتِرْدَادِهَا عِنْدَ انْقِضَاءِ الإِْجَارَةِ. وَإِنِ اسْتَأْجَرَ دَابَّةً لِيَصِل بِهَا إِلَى مَكَانٍ مُعَيَّنٍ لَزِمَ الْمُؤَجِّرَ اسْتِلاَمُهَا مِنْ هَذَا الْمَكَانِ، إِلاَّ إِذَا كَانَ الإِْجَارَةُ لِلذَّهَابِ وَالْعَوْدَةِ.

وَمِنَ الشَّافِعِيَّةِ مَنْ قَال: يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ رَدُّ الْعَيْنِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الإِْجَارَةِ وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْهَا الْمُؤَجِّرُ؛ لأَِنَّ الْمُسْتَأْجِرَ غَيْرُ مَأْذُونٍ فِي إِمْسَاكِهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعَقْدِ، فَلَزِمَهُ الرَّدُّ كَالْعَارِيَّةِ (٣) .

_________

(١) المهذب ١ / ٤٠٣

(٢) الفتاوى الهندية ٤ / ٤٧٠

(٣) البدائع ٤ / ٢٠٥، والفتاوى الهندية ٤ / ٤٣٨، والمهذب ١ / ٤٠١، والجمل على المنهج ٣ / ٥٥٤، والمغني ٥ / ٣٩٦ نشر مكتبة القاهرة.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ سَيَرِدُ فِي مَوْضِعِهِ عِنْدَ الْكَلاَمِ عَلَى أَنْوَاعِ الإِْجَارَةِ.

الْفَصْل الرَّابِعُ

انْقِضَاءُ الإِْجَارَةِ

:

٥٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الإِْجَارَةَ تَنْتَهِي بِانْتِهَاءِ الْمُدَّةِ، أَوْ بِهَلاَكِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ الْمُعَيَّنِ، أَوْ بِالإِْقَالَةِ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا تَنْقَضِي أَيْضًا بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، أَوْ طُرُوءِ عُذْرٍ يَمْنَعُ مِنَ الاِنْتِفَاعِ بِالْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الأَْصْل فِي الأُْجْرَةِ أَنَّهَا تَتَجَدَّدُ بِتَجَدُّدِ الْمَنْفَعَةِ.

وَذَهَبَ غَيْرُ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى عَدَمِ انْقِضَاءِ الإِْجَارَةِ بِهَذِهِ الأُْمُورِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الأُْجْرَةَ تَثْبُتُ بِالْعَقْدِ، كَالثَّمَنِ يَثْبُتُ بِنَفْسِ الْبَيْعِ.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

أَوَّلًا - انْقِضَاءُ الْمُدَّةِ:

٦٠ - إِذَا كَانَتِ الإِْجَارَةُ مُحَدَّدَةَ الْمُدَّةِ وَانْتَهَتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ، فَإِنَّ الإِْجَارَةَ تَنْتَهِي بِلاَ خِلاَفٍ.

غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ عُذْرٌ يَقْتَضِي امْتِدَادَ الْمُدَّةِ، كَأَنْ تَكُونَ أَرْضًا زِرَاعِيَّةً، وَفِي الأَْرْضِ زَرْعٌ لَمْ يُسْتَحْصَدْ، أَوْ كَانَتْ سَفِينَةً فِي الْبَحْرِ، أَوْ طَائِرَةً فِي الْجَوِّ، وَانْقَضَتِ الْمُدَّةُ قَبْل الْوُصُول إِلَى الأَْرْضِ. (١)

٦١ - وَإِذَا كَانَتِ الإِْجَارَةُ غَيْرَ مُحَدَّدَةِ الْمُدَّةِ، كَأَنْ يُؤَجِّرَ لَهُ الدَّارَ مُشَاهَرَةً كُل شَهْرٍ بِكَذَا دُونَ بَيَانِ عَدَدِ الأَْشْهُرِ، فَإِنَّ لِكُل ذَلِكَ أَحْكَامًا مُفَصَّلَةً سَيَأْتِي ذِكْرُهَا. (٢)

_________

(١) المهذب ١ / ٤٠٣، ٤٠٤، والفتاوى الهندية ٤ / ٤١٦، والاختيار ٢ / ٥٨ ط الحلبي.

(٢) الهداية ٣ / ٢٣٩، والمهذب ٣ / ٢٣٩، والهندية ٤ / ٤١٦

ثَانِيًا - انْقِضَاءُ الإِْجَارَةِ بِالإِْقَالَةِ:

٦٢ - كَمَا أَنَّ الإِْقَالَةَ جَائِزَةٌ فِي الْبَيْعِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ أَقَال نَادِمًا بَيْعَتَهُ أَقَال اللَّهُ عَثْرَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (١) فَهِيَ كَذَلِكَ جَائِزَةٌ فِي الإِْجَارَةِ؛ لأَِنَّ الإِْجَارَةَ بَيْعُ مَنَافِعَ.

ثَالِثًا - انْقِضَاءُ الإِْجَارَةِ بِهَلاَكِ الْمَأْجُورِ:

٦٣ - تُفْسَخُ الإِْجَارَةُ بِسَبَبِ هَلاَكِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ بِحَيْثُ تَفُوتُ الْمَنَافِعُ الْمَقْصُودَةُ مِنْهَا كُلِّيَّةً، كَالسَّفِينَةِ إِذَا نُقِضَتْ وَصَارَتْ أَلْوَاحًا، وَالدَّارِ إِذَا انْهَدَمَتْ وَصَارَتْ أَنْقَاضًا، وَهَذَا الْقَدْرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا إِذَا نَقَصَتِ الْمَنْفَعَةُ فَفِي ذَلِكَ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ. (٢)

رَابِعًا: فَسْخُ الإِْجَارَةِ لِلْعُذْرِ:

٦٤ - الْحَنَفِيَّةُ، كَمَا سَبَقَ، يَرَوْنَ جَوَازَ فَسْخِ الإِْجَارَةِ لِحُدُوثِ عُذْرٍ بِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ، أَوْ بِالْمُسْتَأْجَرِ (بِفَتْحِ الْجِيمِ) وَلاَ يَبْقَى الْعَقْدُ لاَزِمًا وَيَصِحُّ الْفَسْخُ، إِذْ الْحَاجَةُ تَدْعُو إِلَيْهِ عِنْدَ الْعُذْرِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ لَزِمَ الْعَقْدُ حِينَئِذٍ لَلَزِمَ صَاحِبَ الْعُذْرِ ضَرَرٌ لَمْ يَلْتَزِمْهُ بِالْعَقْدِ. فَكَانَ الْفَسْخُ فِي الْحَقِيقَةِ امْتِنَاعًا مِنِ الْتِزَامِ

_________

(١) حديث " من أقال نادما. . . " رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم من حديث أبي هريرة، مرفوعا، بلفظ " من أقال مسلما أقال الله عثرته يوم القيامة " قال الحاكم وابن دقيق العيد هو على شرط الشيخين. وصححه ابن حزم. وضعفه الدارقطني (فيض القدير ٦ / ٧٩)

(٢) المغني ٦ / ٧٦ ط المنار ١٣٤٧ هـ، والإنصاف ٦ / ٦١، ٦٢، والبدائع ٤ / ١٩٦ فما بعدها، والشرح الصغير ٤ / ٤٩، ٥٠ وحاشية الصاوي ط دار المعارف، ومنهاج الطالبين ٣ / ٧٧، والمغني ٦ / ٢٥، ٢٧ ط المنار ١٣٤٧ هـ

الضَّرَرِ، وَلَهُ وِلاَيَةُ ذَلِكَ. وَقَالُوا: إِنَّ إِنْكَارَ الْفَسْخِ عِنْدَ تَحَقُّقِ الْعُذْرِ خُرُوجٌ عَنِ الشَّرْعِ وَالْعَقْل؛ لأَِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ مَنْ اشْتَكَى ضِرْسَهُ، فَاسْتَأْجَرَ رَجُلًا لِيَقْلَعَهَا، فَسَكَنَ الْوَجَعُ، يُجْبَرُ عَلَى الْقَلْعِ. وَهَذَا قَبِيحٌ شَرْعًا وَعَقْلًا (١) .

وَيَقْرُبُ مِنْهُمُ الْمَالِكِيَّةُ فِي أَصْل جَوَازِ الْفَسْخِ بِالْعُذْرِ، لاَ فِيمَا تَوَسَّعَ فِيهِ الْحَنَفِيَّةُ، إِذْ قَالُوا: لَوْ كَانَ الْعُذْرُ بِغَصْبِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ أَوْ مَنْفَعَتِهَا أَوْ أَمْرِ ظَالِمٍ لاَ تَنَالُهُ الأَْحْكَامُ بِإِغْلاَقِ الْحَوَانِيتِ الْمُكْتَرَاةِ، أَوْ حَمْل ظِئْرٍ - لأَِنَّ لَبَنَ الْحَامِل يَضُرُّ الرَّضِيعَ - أَوْ مَرَضِهَا الَّذِي لاَ تَقْدِرُ مَعَهُ عَلَى رَضَاعٍ، حُقَّ لِلْمُسْتَأْجِرِ الْفَسْخُ أَوِ الْبَقَاءُ عَلَى الإِْجَارَةِ. (٢)

٦٥ - وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى مَا أَشَرْنَا لاَ يَرَوْنَ فَسْخَ الإِْجَارَةِ بِالأَْعْذَارِ؛ لأَِنَّ الإِْجَارَةَ أَحَدُ نَوْعَيِ الْبَيْعِ، فَيَكُونُ الْعَقْدُ لاَزِمًا، إِذِ الْعَقْدُ انْعَقَدَ بِاتِّفَاقِهِمَا، فَلاَ يَنْفَسِخُ إِلاَّ بِاتِّفَاقِهِمَا. وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لأَِحَدِ الْعَاقِدَيْنِ فَسْخُ الإِْجَارَةِ بِالأَْعْذَارِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ عَلَى عَيْنٍ أَمْ كَانَتْ فِي الذِّمَّةِ، مَا دَامَ الْعُذْرُ لاَ يُوجِبُ خَلَلًا فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. فَتَعَذُّرُ وُقُودِ الْحَمَّامِ، أَوْ تَعَذُّرُ سَفَرِ الْمُسْتَأْجِرِ، أَوْ مَرَضِهِ، لاَ يُخَوِّلُهُ الْحَقَّ فِي فَسْخِ الْعَقْدِ، وَلاَ حَطِّ شَيْءٍ مِنَ الأُْجْرَةِ. (٣)

وَقَال الأَْثْرَمُ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: قُلْتُ لأَِبِي عَبْدِ اللَّهِ: رَجُلٌ اكْتَرَى بَعِيرًا، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ قَال لَهُ: فَاسِخْنِي. قَال: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ. قُلْتُ: فَإِنْ مَرِضَ

_________

(١) البدائع ٤ / ١٩٧، الهداية ٣ / ٢٥٠، والفتاوى الهندية ٤ / ٤٥٨، والمبسوط ١٦ / ٢

(٢) الشرح الصغير ٤ / ٥١ ط دار المعارف.

(٣) منهاج الطالبين وحاشية القليوبي ٣ / ٨١، والمهذب ١ / ٤٠٥

الْمُسْتَكْرِي بِالْمَدِينَةِ، فَلَمْ يَجْعَل لَهُ فَسْخًا، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ عَقْدٌ لاَزِمٌ. وَإِنْ فَسَخَهُ لَمْ يَسْقُطِ الْعِوَضُ. (١)

٦٦ - وَالْعُذْرُ كَمَا يَرَى الْحَنَفِيَّةُ قَدْ يَكُونُ مِنْ جَانِبِ الْمُسْتَأْجِرِ، نَحْوُ أَنْ يُفْلِسَ فَيَقُومَ مِنَ السُّوقِ، أَوْ يُرِيدَ سَفَرًا، أَوْ يَنْتَقِل مِنَ الْحِرْفَةِ إِلَى الزِّرَاعَةِ، أَوْ مِنَ الزِّرَاعَةِ إِلَى التِّجَارَةِ أَوْ يَنْتَقِل مِنْ حِرْفَةٍ إِلَى حِرْفَةٍ؛ لأَِنَّ الْمُفْلِسَ لاَ يَنْتَفِعُ بِالْحَانُوتِ، وَفِي إِلْزَامِهِ إِضْرَارٌ بِهِ، وَفِي إِبْقَاءِ الْعَقْدِ مَعَ ضَرُورَةِ خُرُوجِهِ لِلسَّفَرِ ضَرَرٌ بِهِ.

فَلَوِ اسْتَأْجَرَ شَخْصٌ رَجُلًا لِيَقْصِرَ لَهُ ثِيَابًا - أَيْ يُبَيِّضَهَا - أَوْ لِيَقْطَعَهَا، أَوْ لِيَخِيطَهَا، أَوْ يَهْدِمَ دَارًا لَهُ، أَوْ يَقْطَعَ شَجَرًا لَهُ، أَوْ لِيَقْلَعَ ضِرْسًا. ثُمَّ بَدَا لَهُ أَلاَّ يَفْعَل، فَلَهُ أَنْ يَفْسَخَ الإِْجَارَةَ؛ لأَِنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِمَصْلَحَةٍ يَأْمُلُهَا، فَإِذَا بَدَا لَهُ أَنْ لاَ مَصْلَحَةَ لَهُ فِيهِ صَارَ الْفِعْل ضَرَرًا فِي نَفْسِهِ، فَكَانَ الاِمْتِنَاعُ مِنَ الضَّرَرِ بِالْفَسْخِ. (٢)

٦٧ - وَقَدْ يَكُونُ الْعُذْرُ مِنْ جَانِبِ الْمُؤَجِّرِ نَحْوُ أَنْ يَلْحَقَهُ دَيْنٌ فَادِحٌ لاَ يَجِدُ قَضَاءَهُ إِلاَّ مِنْ ثَمَنِ الْمُسْتَأْجَرِ - بِفَتْحِ الْجِيمِ - مِنَ الإِْبِل وَالْعَقَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. فَيَحِقُّ لَهُ فَسْخُ الإِْجَارَةِ إِذَا كَانَ الدَّيْنُ ثَابِتًا قَبْل عَقْدِ الإِْجَارَةِ. أَمَّا إِذَا كَانَ ثَابِتًا بَعْدَ الإِْجَارَةِ بِالإِْقْرَارِ فَلاَ يَحِقُّ لَهُ الْفَسْخُ بِهِ عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ؛ لأَِنَّهُ مُتَّهَمٌ فِي هَذَا الإِْقْرَارِ، وَيَحِقُّ لَهُ عِنْدَ الإِْمَامِ؛ لأَِنَّ الإِْنْسَانَ لاَ يُقِرُّ بِالدَّيْنِ عَلَى نَفْسِهِ كَاذِبًا، وَبَقَاءُ الإِْجَارَةِ مَعَ لُحُوقِ الدَّيْنِ الْفَادِحِ الْعَاجِل إِضْرَارٌ بِالْمُؤَجِّرِ لأَِنَّهُ يُحْبَسُ بِهِ إِلَى أَنْ يَظْهَرَ حَالُهُ. وَلاَ يَجُوزُ الْجَبْرُ عَلَى تَحَمُّل ضَرَرٍ غَيْرِ مُسْتَحَقٍّ بِالْعَقْدِ.

(٣)

_________

(١) المغني ٦ / ٢١

(٢) الفتاوى الهندية ٤ / ٤٥٨، ٤٥٩، ٤٦٠، والبدائع ٤ / ١٩٨

(٣) البدائع ٤ / ١٩٨

وَقَالُوا فِي امْرَأَةٍ آجَرَتْ نَفْسَهَا ظِئْرًا، وَهِيَ تُعَابُ بِذَلِكَ: لأَِهْلِهَا الْفَسْخُ؛ لأَِنَّهُمْ يُعَيَّرُونَ بِذَلِكَ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيل إِذَا مَا مَرِضَتِ الظِّئْرُ وَكَانَتْ تَتَضَرَّرُ بِالإِْرْضَاعِ فِي الْمَرَضِ، فَإِنَّهُ يَحِقُّ لَهَا أَنْ تَفْسَخَ الْعَقْدَ.

٦٨ - وَمِنْ صُوَرِ الْعُذْرِ الْمُقْتَضِي لِلْفَسْخِ عِنْدَ مَنْ يَرَى الْفَسْخَ بِالْعُذْرِ مِنْ جَانِبِ الْمُسْتَأْجَرِ " بِفَتْحِ الْجِيمِ " الصَّبِيُّ إِذَا آجَرَهُ وَلِيُّهُ، فَبَلَغَ فِي مُدَّةِ الإِْجَارَةِ، فَهُوَ عُذْرٌ يُخَوِّل لَهُ فَسْخَ الْعَقْدِ؛ لأَِنَّ فِي إِبْقَاءِ الْعَقْدِ بَعْدَ الْبُلُوغِ ضَرَرًا بِهِ. وَمِنْ هَذَا مَا قَالُوا فِي إِجَارَةِ الْوَقْفِ عِنْدَ غَلاَءِ أَجْرِ الْمِثْل، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّهُ عُذْرٌ يَفْسَخُ بِهِ مُتَوَلِّي الْوَقْفِ الإِْجَارَةَ، وَيُجَدِّدُ الْعَقْدَ فِي الْمُسْتَقْبَل عَلَى سِعْرِ الْغَلاَءِ، وَفِيمَا مَضَى يَجِبُ الْمُسَمَّى بِقَدْرِهِ. أَمَّا إِذَا رَخُصَ أَجْرُ الْمِثْل فَلاَ يُفْسَخُ، مُرَاعَاةً لِمَصْلَحَةِ الْوَقْفِ. (١)

٦٩ - وَعِنْدَ وُجُودِ أَيِّ عُذْرٍ مِنْ هَذَا فَإِنَّ الإِْجَارَةَ يَصِحُّ فَسْخُهَا إِذَا أَمْكَنَ الْفَسْخُ. فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُمْكِنِ الْفَسْخُ، بِأَنْ كَانَ فِي الأَْرْضِ زَرْعٌ لَمْ يُسْتَحْصَدْ، لاَ تُفْسَخُ؛ لأَِنَّ فِي الْقَلْعِ ضَرَرًا بِالْمُسْتَأْجِرِ، وَتُتْرَكُ إِلَى أَنْ يُسْتَحْصَدَ الزَّرْعُ بِأَجْرِ الْمِثْل.

تَوَقُّفُ الْفَسْخِ عَلَى الْقَضَاءِ:

٧٠ - إِذَا وُجِدَ بَعْضُ هَذِهِ الأَْعْذَارِ، وَكَانَ الْفَسْخُ مُمْكِنًا، فَإِنَّ الإِْجَارَةَ تَكُونُ قَابِلَةً لِلْفَسْخِ، كَمَا يَرَى بَعْضُ مَشَايِخِ الْحَنَفِيَّةِ. وَقِيل: إِنَّهَا تَنْفَسِخُ تِلْقَائِيًّا بِنَفْسِهَا. وَيَقُول الْكَاسَانِيُّ: الصَّوَابُ أَنَّهُ يُنْظَرُ إِلَى الْعُذْرِ، فَإِنْ كَانَ يُوجِبُ الاِمْتِنَاعَ عَنِ الْمُضِيِّ فِيهِ شَرْعًا، كَمَا فِي الإِْجَارَةِ عَلَى خَلْعِ الضِّرْسِ، وَقَطْعِ الْيَدِ الْمُتَأَكِّلَةِ إِذَا سَكَنَ الأَْلَمُ وَبَرَأَتْ مِنَ الْمَرَضِ، فَإِنَّهَا

_________

(١) البدائع ٤ / ١٩٩ - ٢٠٠

تَنْتَقِضُ بِنَفْسِهَا. وَإِنْ كَانَ الْعُذْرُ لاَ يُوجِبُ الْعَجْزَ عَنْ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُ نَوْعَ ضَرَرٍ لَمْ يُوجِبْهُ الْعَقْدُ، لاَ يَنْفَسِخُ إِلاَّ بِالْفَسْخِ. وَهُوَ حَقٌّ لِلْعَاقِدِ، إِذِ الْمَنَافِعُ فِي الإِْجَارَةِ لاَ تُمْلَكُ جُمْلَةً وَاحِدَةً، بَل شَيْئًا فَشَيْئًا، فَكَانَ اعْتِرَاضُ الْعُذْرِ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ عَيْبٍ حَدَثَ قَبْل الْقَبْضِ. وَهَذَا يُوجِبُ لِلْعَاقِدِ حَقَّ الْفَسْخِ دُونَ تَوَقُّفٍ عَلَى قَضَاءٍ أَوْ رِضَاءٍ.

وَقِيل: إِنَّ الْفَسْخَ يَتَوَقَّفُ عَلَى التَّرَاضِي أَوِ الْقَضَاءِ؛ لأَِنَّ هَذَا الْخِيَارَ ثَبَتَ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ، فَأَشْبَهَ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ. وَقِيل: إِنْ كَانَ الْعُذْرُ ظَاهِرًا فَلاَ حَاجَةَ إِلَى الْقَضَاءِ، وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا كَالدَّيْنِ اشْتُرِطَ الْقَضَاءُ. وَهُوَ مَا اسْتَحْسَنَهُ الْكَاسَانِيُّ وَغَيْرُهُ. وَعِنْدَ الاِخْتِلاَفِ بَيْنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَإِنَّ الإِْجَارَةَ تُفْسَخُ بِالْقَضَاءِ.

٧١ - وَإِنْ طَلَبَ الْمُسْتَأْجِرُ الْفَسْخَ قَبْل الاِنْتِفَاعِ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَفْسَخُ، وَلاَ شَيْءَ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ. وَإِنْ كَانَ قَدِ انْتَفَعَ بِهَا فَلِلْمُؤَجِّرِ مَا سَمَّى مِنَ الأَْجْرِ اسْتِحْسَانًا لأَِنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ تَعَيَّنَ بِالاِنْتِفَاعِ. وَلاَ يَكُونُ لِلْفَسْخِ أَثَرٌ رَجْعِيٌّ. (١)

خَامِسًا - انْفِسَاخُ الإِْجَارَةِ بِالْمَوْتِ:

٧٢ - سَبَقَ ذِكْرُ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَرَوْنَ أَنَّ الإِْجَارَةَ تَنْقَضِي بِمَوْتِ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ اللَّذَيْنِ يَعْقِدَانِ لِنَفْسَيْهِمَا، كَمَا تَنْقَضِي بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُسْتَأْجَرِينَ أَوْ أَحَدِ الْمُؤَجِّرَيْنِ فِي حِصَّتِهِ فَقَطْ. (٢)

وَقَال زُفَرُ: تَبْطُل فِي نَصِيبِ الْحَيِّ أَيْضًا؛ لأَِنَّ

_________

(١) شرح الدر ٢ / ٣٠٢، ٣٠٣

(٢) البدائع ٤ / ٢٠٠، ٢٠١، والهداية ٣ / ٢٥١، والفتاوى الهندية ٤ / ٤٥٩، وشرح الدر ٢ / ٢٩٩، ٣٠٠

الشُّيُوعَ مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ الإِْجَارَةِ ابْتِدَاءً، فَأَعْطَاهُ حُكْمَهُ.

وَرَجَّحَ الزَّيْلَعِيُّ الرَّأْيَ الأَْوَّل وَقَال: لأَِنَّ الشُّرُوطَ يُرَاعَى وُجُودُهَا فِي الاِبْتِدَاءِ دُونَ الْبَقَاءِ. وَعَلَّل لاِنْفِسَاخِ الإِْجَارَةِ بِالْمَوْتِ، فَقَال: لأَِنَّ الْعَقْدَ يَنْعَقِدُ سَاعَةً فَسَاعَةً بِحَسَبِ حُدُوثِ الْمَنَافِعِ، فَإِذَا مَاتَ الْمُؤَجِّرُ فَالْمَنَافِعُ الَّتِي تُسْتَحَقُّ بِالْعَقْدِ هِيَ الَّتِي تَحْدُثُ عَلَى مِلْكِهِ، فَلَمْ يَكُنْ هُوَ عَاقِدًا وَلاَ رَاضِيًا بِهَا. وَإِنْ مَاتَ الْمُسْتَأْجِرُ فَإِنَّ الْمَنْفَعَةَ لاَ تُورَثُ. (١)

وَلاَ يَظْهَرُ الاِنْفِسَاخُ إِلاَّ بِالطَّلَبِ، فَلَوْ بَقِيَ الْمُسْتَأْجِرُ سَاكِنًا بَعْدَ مَوْتِ الْمُؤَجِّرِ غَرَّمَهُ الأَْجْرَ لِمُضِيِّهِ فِي الإِْجَارَةِ، وَلاَ يَظْهَرُ الاِنْفِسَاخُ إِلاَّ إِذَا طَالَبَهُ الْوَارِثُ بِالإِْخْلاَءِ. وَإِذَا مَاتَ الْمُؤَجِّرُ، وَالدَّابَّةُ أَوْ مَا يُشْبِهُهَا فِي الطَّرِيقِ، تَبْقَى الإِْجَارَةُ حَتَّى يَصِل الْمُسْتَأْجِرُ إِلَى مَأْمَنِهِ. وَإِذَا مَاتَ أَحَدُ الْعَاقِدَيْنِ وَالزَّرْعُ فِي الأَْرْضِ بَقِيَ الْعَقْدُ بِالأَْجْرِ الْمُسَمَّى حَتَّى يُدْرِكَ. (٢)

وَذَهَبَ بَعْضُ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ - الشَّعْبِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ - إِلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ مِنَ الْقَوْل بِانْفِسَاخِ الإِْجَارَةِ بِمَوْتِ الْمُؤَجِّرِ أَوِ الْمُسْتَأْجِرِ؛ لأَِنَّ الْمُؤَجِّرَ بَطَل مِلْكُهُ بِمَوْتِهِ، فَيَبْطُل عَقْدُهُ. كَمَا أَنَّ وَرَثَةَ الْمُسْتَأْجِرِ لاَ عَقْدَ لَهُمْ مَعَ الْمُؤَجِّرِ، وَالْمَنَافِعُ الْمُتَجَدِّدَةُ بَعْدَ مَوْتِ مُوَرِّثِهِمْ لَمْ تَكُنْ ضِمْنَ تَرِكَتِهِ (٣) . وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا تَبْطُل بِالْمَوْتِ فِي إِجَارَةِ الْوَقْفِ. (٤)

وَسَبَقَ الْقَوْل: إِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ الإِْجَارَةَ لاَ تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ؛ لأَِنَّهَا عَقْدٌ لاَزِمٌ لاَ

_________

(١) تبيين الحقائق ٥ / ١٤٤، ١٤٥

(٢) شرح الدر ٢ / ٣٠٢، وابن عابدين ٥ / ٥٢ ط ١٢٧٢ هـ

(٣) المغني ٥ / ٣٤٧

(٤) شرح المنهاج ٣ / ٨٤

نَقْضِي بِهَلاَكِ أَحَدِهِمَا مَا دَامَ مَا تُسْتَوْفَى بِهِ الْمَنْفَعَةُ بَاقِيًا. وَقَدْ كَانَ رَأْيُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّ الإِْجَارَةَ لاَ تَنْفَسِخُ بِالْمَوْتِ. رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الإِْجَارَةِ أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ قَال فِيمَنِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَمَاتَ الْمُؤَجِّرُ: لَيْسَ لأَِهْلِهِ أَنْ يُخْرِجُوهُ إِلَى تَمَامِ الأَْجَل. وَقَال بِذَلِكَ الْحَسَنُ وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ. وَقَال ابْنُ عُمَرَ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَى خَيْبَرَ لأَِهْلِهَا لِيَعْمَلُوا فِيهَا وَيَزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلاَفَةِ عُمَرَ " (١) وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ جَدَّدَا الإِْجَارَةَ. (٢)

سَادِسًا: أَثَرُ بَيْعِ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ:

٧٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ عِنْدَهُمْ، وَالْمَالِكِيَّةُ إِنْ كَانَ هُنَاكَ اتِّهَامٌ، إِلَى أَنَّهُ لاَ تُفْسَخُ الإِْجَارَةُ بِالْبَيْعِ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ تُهْمَةٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِي غَيْرِ الأَْظْهَرِ، إِلَى أَنَّ الإِْجَارَةَ تُفْسَخُ بِالْبَيْعِ.

وَاسْتَدَل الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي الْبَيْعِ هُوَ الْعَيْنُ، وَالْمَعْقُودَ عَلَيْهِ فِي الإِْجَارَةِ هُوَ الْمَنَافِعُ، فَلاَ تَعَارُضَ.

_________

(١) حديث: " إن النبي ﷺ أعطى خيبر لأهلها. . . " أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه بلفظ " لما فتحت خيبر سأل اليهود رسول الله ﷺ أن يقرهم فيها على أن يعملوا على نصف ما يخرج منها من الثمر والزرع فقال رسول الله ﷺ نقركم فيها على ذلك ما شئنا " (نصب الراية ٤ / ١٧٩)

(٢) الشرح الصغير ٤ / ١٧٩، ١٨٣، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٢، والقليوبي ٣ / ٨٤، والمغني ٥ / ٤٣١، والبخاري - كتاب الإجارة

وَالدَّلِيل عَلَى الاِتِّجَاهِ الثَّانِي أَنَّ الإِْجَارَةَ تَمْنَعُ مِنَ التَّسْلِيمِ، فَتَنَاقَضَا.

وَمِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَعْتَبِرُونَ الإِْجَارَةَ عَيْبًا يَثْبُتُ بِهِ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الْعَيْبِ.

وَإِنْ كَانَ بَيْعُ الْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ لِلْمُسْتَأْجِرِ نَفْسِهِ فَالأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنَابِلَةِ، وَبِالأَْوْلَى عِنْدَ غَيْرِهِمْ، أَنَّهُ لاَ تَنْفَسِخُ الإِْجَارَةُ. (١)

وَلاَ أَثَرَ عَلَى عَقْدِ الإِْجَارَةِ مِنْ رَهْنِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ أَوْ هِبَتِهَا اتِّفَاقًا. وَكَذَلِكَ الْوَقْفُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَقَدِ اخْتَلَفَتْ فَتْوَاهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ.

سَابِعًا - فَسْخُ الإِْجَارَةِ بِسَبَبِ الْعَيْبِ:

٧٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ فِي أَنَّهُ إِذَا حَدَثَ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ عَيْبٌ فِي مُدَّةِ الْعَقْدِ، وَكَانَ هَذَا الْعَيْبُ يُخِل بِالاِنْتِفَاعِ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَيُفَوِّتُ الْمَقْصُودَ بِالْعَقْدِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ، كَانْجِرَاحِ ظَهْرِ الدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ الْمُؤَجَّرَةِ لِلرُّكُوبِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَثِّرُ عَلَى الْعَقْدِ اتِّفَاقًا، وَيَجْعَلُهُ غَيْرَ لاَزِمٍ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ أَضَرَّ بِهِ وُجُودُ الْعَيْبِ. فَلَوِ اشْتَرَى شَيْئًا فَآجَرَهُ، ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِهِ، يَكُونُ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الإِْجَارَةَ، وَيَرُدَّ الْمَبِيعَ، فَحَقُّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ يَكُونُ عُذْرًا يُخَوِّل لَهُ فَسْخَ الإِْجَارَةِ وَإِنْ

_________

(١) البدائع ٤ / ٢٠٧، ٢٠٨، وابن عابدين ٥ / ٥٣، والمدونة ١١ / ١٠٧، والمواق شرح مختصر خليل ٥ / ٥، والدسوقي ٤ / ٣٠ - ٣٣، ٩٤، وحاشية الصاوي على الشرح الصغير ٤ / ٥٥، وشرح المحلى للمنهاج مع حاشية القليوبي ٣ / ٨٧، ونهاية المحتاج ٥ / ٢٥ و٤ / ٢٤٩، وشرح الروض ٤ / ٣٥، ومغني المحتاج ٢ / ١٢٨، والمغني ٦ / ٤٦ - ٤٨ ط المنار، والإنصاف ٦ / ٦٨، ٦٩، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٣١، ٣٧٦