الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١ الصفحة 39

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١

فَإِنْ أَتْلَفَهُ أَوْ تَلِفَ بِنَفْسِهِ ضَمِنَهُ، وَوَجَبَ رَدُّ قِيمَتِهِ إِنْ كَانَ قِيمِيًّا، وَمِثْلِهِ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا (١)، عَلَى التَّفْصِيل السَّابِقِ فِي كَيْفِيَّةِ تَضْمِينِ الْمُتْلَفَاتِ.

٥٢ - وَإِذَا أَتْلَفَ الْمَغْصُوبَ شَخْصٌ آخَرُ وَهُوَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ الْمَالِكَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ تَضْمِينِ الْغَاصِبِ وَتَضْمِينِ الْمُتْلِفِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الأَْصْل تَضْمِينُ الْمُتْلِفِ، إِلاَّ إِنْ كَانَ الإِْتْلاَفُ لِمَصْلَحَةِ الْغَاصِبِ، كَأَنْ قَال لَهُ: اذْبَحْ هَذِهِ الشَّاةَ لِي، أَوْ أَفْهَمَهُ أَنَّ الْمُتْلَفَ مِلْكٌ لَهُ. (٢)

إِتْلاَفُ اللُّقَطَةِ وَالْوَدِيعَةِ وَالْعَارِيَّةِ:

٥٣ - الْعَيْنُ الْمُلْتَقَطَةُ وَالْمُودَعَةُ وَالْمُعَارَةُ الأَْصْل فِيهَا أَنْ تَكُونَ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمُلْتَقِطِ وَالْوَدِيعِ وَالْمُسْتَعِيرِ. وَالأَْصْل أَنَّ الأَْمِينَ لاَ يَضْمَنُ إِلاَّ بِالاِعْتِدَاءِ أَوِ الإِْهْمَال لِقَوْلِهِ ﷺ: لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِل ضَمَانٌ، وَلاَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ غَيْرِ الْمُغِل ضَمَانٌ (٣) وَلأَِنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إِلَى ذَلِكَ، فَلَوْ ضَمَّنَّاهُمْ لاَمْتَنَعَ النَّاسُ عَنْهُ. وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنْ حَدَثَ مِنْهُ اعْتِدَاءٌ

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٥ / ١٢٦، وبلغة السالك ٢ / ١٩٧، ٢٠١، ونهاية المحتاج ٥ / ١٦١، ١٦٥، والمغني والشرح الكبير ٥ / ٤٢١.

(٢) البدائع ٧ / ١٦٥، والدسوقي ٣ / ٤٤٨، والجمل على شرح المهاج ٣ / ٤٧٥، والمغني ٥ / ٢٤٩ وكشف المخدرات ٥٩٦.

(٣) حديث: " ليس على المستعير. . . " رواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفي إسناده ضعيفان (تلخيص الحبير ٣ / ٩٧ ط الفنية المتحدة) .

تَرَتَّبَ عَلَيْهِ إِتْلاَفٌ ضَمِنَ. أَمَّا التَّلَفُ الَّذِي يَقَعُ دُونَ اعْتِدَاءٍ وَلاَ إِهْمَالٍ أَوْ تَقْصِيرٍ فَإِنَّهُ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضَمَانٌ.

لَكِنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَالُوا: إِنَّ الأَْصْل فِي الْعَارِيَّةِ أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ، فَلَوْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ اسْتِعْمَالٍ مَأْذُونٍ فِيهِ ضَمِنَهَا وَإِنْ لَمْ يُفَرِّطْ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ (١) وَقَالُوا: الأَْصَحُّ أَنَّهُ لاَ يَضْمَنُ مَا يَنْمَحِقُ مِنَ الثِّيَابِ أَوْ يَنْسَحِقُ بِالاِسْتِعْمَال. وَقِيل بِالضَّمَانِ فِيهِمَا. وَقِيل: يَضْمَنُ الْمُنْمَحِقَ - أَيِ الْبَالِيَ - دُونَ الْمُنْسَحِقِ - أَيِ التَّالِفِ بَعْضُ أَجْزَائِهِ -. (٢)

٥٤ - وَيَنْبَغِي أَنْ يُلاَحَظَ أَنَّ عَارِيَّةَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْمَكِيل وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ يَكُونُ قَرْضًا فِي الْحَقِيقَةِ، إِذْ لاَ يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهَا إِلاَّ بِاسْتِهْلاَكِ أَعْيَانِهَا وَإِتْلاَفِهَا. وَمَا دَامَتْ فِي حَقِيقَتِهَا قَرْضًا فَإِنَّهُ يَجِبُ رَدُّ مِثْلِهَا، أَوْ قِيمَتِهَا إِنِ انْعَدَمَ الْمِثْل (٣) . وَتَفْصِيل ذَلِكَ وَبَيَانُ الْمَذَاهِبِ فِيهِ فِي مَوَاضِعِهِ مِنَ اللُّقَطَة الْوَدِيعَة وَالْعَارِيَّة.

_________

(١) حديث: " على اليد ما أخذت. . . " رواه أحمد وأصحاب السنن والحاكم من حديث الحسن عن سمرة، وفي سماع الحسن منه خلاف، وزاد فيه أكثرهم ثم نسي الحسن فقال: هو أمين لا ضمان عليه. قال الترمذي: حديث حسن (فيض القدير ٤ / ٣٢١ ط الأولى مصطفى محمد)

(٢) حاشية القليوبي على منهاج الطالبين ٣ / ٢٠.

(٣) فتح القدير ٤ / ٤٢٣، ٧ - ٨، ١٠٣.

إِتْمَام

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْتْمَامُ لُغَةً: الإِْكْمَال (١) . وَلَمْ نَقِفْ لِلْفُقَهَاءِ عَلَى تَعْرِيفٍ اصْطِلاَحِيٍّ لِلإِْتْمَامِ، وَلاَ يَخْرُجُ اسْتِعْمَالُهُمْ عَنِ التَّعْرِيفِ اللُّغَوِيِّ.

هَذَا وَلِلإِْتْمَامِ إِطْلاَقٌ خَاصٌّ يَتَّصِل بِالْعَدَدِ لاَ بِالْكَيْفِيَّةِ، وَمِنْ ذَلِكَ إِتْمَامُ الصَّلاَةِ بَدَلًا مِنْ قَصْرِهَا، فَكُلٌّ مِنَ الْقَصْرِ وَالإِْتْمَامِ كَمَالٌ، وَإِنَّمَا لُوحِظَ فِي لَفْظَيِ الإِْتْمَامِ وَالْقَصْرِ الْعَدَدُ. وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي صَلاَةِ الْمُسَافِرِ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

٢ - الإِْكْمَال: الَّذِي يُسْتَفَادُ مِنْ تَعْرِيفِ الرَّاغِبِ لِلْكَمَال وَالتَّمَامِ - كُلٌّ فِي مَادَّتِهِ - أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَهُمَا هُوَ أَنَّ تَمَامَ الشَّيْءِ انْتِهَاؤُهُ إِلَى حَدٍّ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى شَيْءٍ خَارِجٍ عَنْهُ، وَأَنَّ كَمَال الشَّيْءِ حُصُول مَا فِيهِ الْغَرَضُ مِنْهُ. وَعَلَيْهِ فَالتَّمَامُ يَسْتَلْزِمُ الْكَمَال. وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ تَتَبُّعِ كُتُبِ اللُّغَةِ وَالتَّفْسِيرِ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (٢) عَدَمُ وُضُوحِ فَرْقٍ بَيْنَهُمَا فَيَكُونَانِ مُتَرَادِفَيْنِ. وَلَمْ يَظْهَرْ فَرْقٌ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيِّ.

_________

(١) لسان العرب (كمل، تمم) .

(٢) سورة المائدة / ٣.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٣ - الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ لِلإِْتْمَامِ أَنَّ إِتْمَامَ مَا شَرَعَ فِيهِ الْمُكَلَّفُ مِنْ طَاعَةٍ وَاجِبَةٍ وَاجِبٌ بِإِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ، وَإِتْمَامُ مَا شَرَعَ فِيهِ مِنْ طَاعَةٍ نَافِلَةٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. فَفِي الْجُمْلَةِ يَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ الإِْتْمَامِ أَخْذًا بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلاَ تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ (١) . وَيَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ، عَلَى خِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي مَوَاطِنِهِ لِكُل تَصَرُّفٍ بِحَسَبِهِ.

وَالأَْثَرُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى التَّمَامِ أَنَّهُ طَالَمَا يَعْنِي الإِْتْيَانَ بِالأَْرْكَانِ الضَّرُورِيَّةِ فَإِنَّ آثَارَ أَيِّ تَصَرُّفٍ قَوْلِيٍّ أَوْ فِعْلِيٍّ تَتَوَقَّفُ عَلَى الإِْتْيَانِ بِهَا. (٢)

هَذَا، وَالْفُقَهَاءُ يُفَصِّلُونَ أَحْكَامَ الإِْتْمَامِ بِالنِّسْبَةِ لِكُل مَسْأَلَةٍ فِقْهِيَّةٍ فِي مَوْضِعِهَا، وَمِنْ تِلْكَ الْمَوَاطِنِ مَسَائِل النَّوَافِل وَالتَّطَوُّعِ بِالنِّسْبَةِ لِلصِّيَامِ وَالصَّلاَةِ وَغَيْرِهَا.

اتِّهَام

انْظُرْ: تُهْمَة.

_________

(١) سورة محمد ﷺ / ٣٣

(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٥٢ ط الأولى، ودليل الطالب للكرمي ص ٧٩ ط المكتب الإسلامي، والمجموع شرح المهذب ٦ / ٣٩٣ ط المنيرية، والحطاب ٢ / ٩٠ ط الأولى - مطبعة النجاح بليبيا.

إِثْبَات

التَّعْرِيفُ:

١ - الإِْثْبَاتُ لُغَةً مَصْدَرُ أَثْبَتَ، بِمَعْنَى اعْتَبَرَ الشَّيْءَ دَائِمًا مُسْتَقِرًّا أَوْ صَحِيحًا (١) وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الإِْثْبَاتَ إِقَامَةُ الدَّلِيل الشَّرْعِيِّ أَمَامَ الْقَاضِي فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ عَلَى حَقٍّ أَوْ وَاقِعَةٍ مِنَ الْوَقَائِعِ.

الْقَصْدُ مِنَ الإِْثْبَاتِ:

٢ - الْمَقْصُودُ مِنَ الإِْثْبَاتِ وُصُول الْمُدَّعِي إِلَى حَقِّهِ أَوْ مَنْعُ التَّعَرُّضِ لَهُ، فَإِذَا أَثْبَتَ دَعْوَاهُ لَدَى الْقَاضِي بِوَجْهِهَا الشَّرْعِيِّ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَانِعٌ حَقَّهُ، أَوْ مُتَعَرِّضٌ لَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، يَمْنَعُهُ الْقَاضِي عَنْ تَمَرُّدِهِ فِي مَنْعِ الْحَقِّ، وَيُوَصِّلُهُ إِلَى مُدَّعِيهِ. (٢)

مَنْ يُكَلَّفُ الإِْثْبَاتَ:

٣ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ فِي أَنَّ الإِْثْبَاتَ يُطْلَبُ مِنَ الْمُدَّعِي، لِقَوْلِهِ ﷺ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ. (٣) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَأَحْمَدَ لَوْ أُعْطِيَ النَّاسُ

_________

(١) لسان العرب والمصباح (ثبت)

(٢) مجلة الأحكام العدلية المادة (١٧٨٥) .

(٣) حديث: " البينة على المدعي. . .)، جزء من حديث رواه البيهقي من حديث ابن عباس ﵄، وأصله في الصحيحين بلفظ " اليمين على المدعى عليه " (الدراية في تخريج أحاديث الهداية ٢ / ١٧٥ مطبعة الفجالة الجديدة) وانظر (نصب الراية ٤ / ٩٥ - ٩٦ ط الأولى دار المأمون) .

بِدَعْوَاهُمْ لاَدَّعَى أُنَاسٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، لَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي. (١)

وَلأَِنَّ الْمُدَّعِيَ يَدَّعِي أَمْرًا خَفِيًّا، فَيَحْتَاجُ إِلَى إِظْهَارٍ، وَلِلْبَيِّنَةِ قُوَّةُ إِظْهَارٍ؛ لأَِنَّهَا كَلاَمُ مَنْ لَيْسَ بِخَصْمٍ، وَهُمُ الشُّهُودُ، فَجُعِلَتْ حُجَّةً لِلْمُدَّعِي. وَالْيَمِينُ وَإِنْ كَانَتْ مُؤَكَّدَةً بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، لَكِنَّهَا كَلاَمُ الْخَصْمِ، فَلاَ تَصْلُحُ حُجَّةً مُظْهِرَةً لِلْحَقِّ، وَتَصْلُحُ حُجَّةً لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِالظَّاهِرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْيَدِ، فَحَاجَتُهُ إِلَى اسْتِمْرَارِ حُكْمِ الظَّاهِرِ. وَالْيَمِينُ وَإِنْ كَانَتْ كَلاَمًا فَهِيَ كَافِيَةٌ لِلاِسْتِمْرَارِ. فَكَانَ جَعْل الْبَيِّنَةِ حُجَّةَ الْمُدَّعِي، وَجَعْل الْيَمِينِ حُجَّةَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، وَضْعَ الشَّيْءِ فِي مَوْضِعِهِ، وَهُوَ غَايَةُ الْحِكْمَةِ.

وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي (الأَْصْل): الْمُدَّعَى عَلَيْهِ هُوَ الْمُنْكِرُ، وَالآْخَرُ هُوَ الْمُدَّعِي، غَيْرَ أَنَّ التَّمْيِيزَ بَيْنَهُمَا يَحْتَاجُ إِلَى فِقْهٍ وَدِقَّةٍ، إِذْ الْعِبْرَةُ لِلْمَعْنَى دُونَ الصُّورَةِ، فَإِنَّهُ قَدْ يُوجَدُ الْكَلاَمُ مِنْ شَخْصٍ فِي صُورَةِ الْمُدَّعِي، وَهُوَ إِنْكَارٌ فِي الْمَعْنَى، كَالْوَدِيعِ إِذَا ادَّعَى رَدَّ الْوَدِيعَةِ، فَإِنَّهُ مُدَّعٍ لِلرَّدِّ صُورَةً، وَهُوَ مُنْكِرٌ لِوُجُوبِ الرَّدِّ مَعْنًى. وَالْقَاعِدَةُ الْمَذْكُورَةُ إِنَّمَا هِيَ فِي الْمُتَخَاصِمَيْنِ يَكُونُ أَحَدُهُمَا مُدَّعِيًا مَعْنًى وَحَقِيقَةً. فَالْحُكْمُ فِيهَا أَنَّ الْبَيِّنَةَ

_________

(١) حديث: " لو أعطي الناس بدعواهم. . . " أخرجه البيهقي في سننه عن ابن عباس بلفظ " لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال أموال قوم ودماءهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر " والحديث في الصحيحين بلفظ " لكن اليمين على المدعى عليه " أخرجاه عن ابن أبي مليك

عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ. (١)

هَل يَتَوَقَّفُ الْقَضَاءُ بِالإِْثْبَاتِ عَلَى الطَّلَبِ؟

٤ - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْحُكْمِ وَاعْتِبَارِهِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، الدَّعْوَى الصَّحِيحَةُ، وَأَنَّهُ لاَ بُدَّ فِي ذَلِكَ مِنَ الْخُصُومَةِ الشَّرْعِيَّةِ.

وَإِذَا صَحَّتِ الدَّعْوَى سَأَل الْقَاضِي الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَنْهَا. فَإِنْ أَقَرَّ فَبِهَا، وَإِنْ أَنْكَرَ فَبَرْهَنَ الْمُدَّعِي، قُضِيَ عَلَيْهِ بِلاَ طَلَبِ الْمُدَّعِي عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ؛ لأَِنَّ مُقْتَضَى الْحَال يَدُل عَلَى إِرَادَتِهِ ذَلِكَ. وَالأَْصَحُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِلاَّ بِطَلَبِ الْمُدَّعِي؛ لأَِنَّ الْحُكْمَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَقٌّ لِلْمُدَّعِي، فَلاَ يَسْتَوْفِيهِ إِلاَّ بِطَلَبِهِ. (٢)

طُرُقُ إِثْبَاتِ الدَّعْوَى:

٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الإِْقْرَارَ وَالشَّهَادَةَ وَالْيَمِينَ وَالنُّكُول وَالْقَسَامَةَ - عَلَى تَفْصِيلٍ فِي الْكَيْفِيَّةِ أَوِ الأَْثَرِ - حُجَجٌ شَرْعِيَّةٌ يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا الْقَاضِي فِي قَضَائِهِ، وَيُعَوِّل عَلَيْهَا فِي حُكْمِهِ. (٣)

_________

(١) الاختيار للموصلي ٢ / ١٠٩، ومغني المحتاج، ٤ / ٤٦١، والمغني مع الشرح الكبير ١١ / ٤٥١ وحاشية الدسوقي ٤ / ١٤٦.

(٢) شرح الدر ٤ / ٤٢٣، وتبصرة الحكام ١ / ٣٩ و٨٥ ط الحلبي الأخيرة، والشرح الكبير ٤ / ١٤٨ ط الحلبي، والمغني ١١ / ٤٥٠، ٤٥١، والشرح الكبير ٤ / ٤٢٢، والبجيرمي ٤ / ٣٣٤، ٣٤٧.

(٣) بداية المجتهد ٢ / ٥٠١، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٤٦٢، ٦٥٣، ونهاية المحتاج ٨ / ٣١٤، والروض الندي ٥٢١ وما بعدها، ط السلفية.

وَاخْتَلَفُوا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ طُرُقِ الإِْثْبَاتِ الآْتِيَةِ، فَذَهَبَ الأَْئِمَّةُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ إِلَى أَنَّهُ يَقْضِي بِالشَّاهِدِ مَعَ الْيَمِينِ فِي الأَْمْوَال أَوْ مَا يَئُول إِلَيْهَا، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَيْضًا أَبُو ثَوْرٍ وَالْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ الْمَدَنِيُّونَ.

وَذَهَبَ الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَجُمْهُورُ أَهْل الْعِرَاقِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَقْضِي بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ فِي شَيْءٍ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ اللَّيْثُ مِنْ أَصْحَابِ الإِْمَامِ مَالِكٍ (١) .

وَزَادَ ابْنُ الْغَرْسِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ الْقَرِينَةَ الْوَاضِحَةَ.

وَقَال الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ الْحَنَفِيُّ: لاَ شَكَّ أَنَّ مَا زَادَهُ ابْنُ الْغَرْسِ غَرِيبٌ خَارِجٌ عَنِ الْجَادَّةِ. فَلاَ يَنْبَغِي التَّعْوِيل عَلَيْهِ مَا لَمْ يُعَضِّدْهُ النَّقْل. (٢)

وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ لَمْ يَحْصُرِ الطُّرُقَ فِي أَنْوَاعٍ مُعَيَّنَةٍ، بَل قَال: إِنَّ كُل مَا يُبَيِّنُ الْحَقَّ وَيُظْهِرُهُ يَكُونُ دَلِيلًا يَقْضِي بِهِ الْقَاضِي وَيَبْنِي عَلَيْهِ حُكْمَهُ. وَهَذَا مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ، وَتَبِعَهُ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ كَابْنِ فَرْحُونَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ.

فَقَدْ جَاءَ فِي الطُّرُقِ الْحُكْمِيَّةِ: " وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْبَيِّنَةَ فِي الشَّرْعِ اسْمٌ لِمَا يُبَيِّنُ الْحَقَّ وَيُظْهِرُهُ، وَهِيَ تَارَةً تَكُونُ أَرْبَعَةَ شُهُودٍ، وَتَارَةً ثَلاَثَةً، بِالنَّصِّ فِي بَيِّنَةِ الْمُفْلِسِ، وَتَارَةً تَكُونُ شَاهِدَيْنِ، وَشَاهِدًا وَاحِدًا وَامْرَأَةً وَاحِدَةً وَنُكُولًا، وَيَمِينًا، أَوْ خَمْسِينَ يَمِينًا، أَوْ أَرْبَعَةَ أَيْمَانٍ. وَتَكُونُ شَاهِدَ الْحَال فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ. فَقَوْلُهُ ﷺ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي (٣) أَيْ عَلَيْهِ أَنْ يُظْهِرَ مَا يُبَيِّنُ صِحَّةَ دَعْوَاهُ.

_________

(١) بداية المجتهد ٢ / ٥٠٧ مكتبة الكليات الأزهرية.

(٢) البحر ٧ / ٢٢٤ ط العلمية.

(٣) حديث: " البينة على المدعي " سبق تخريجه ص ٢٣٢ ح ٣

فَإِذَا ظَهَرَ صِدْقُهُ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ حُكِمَ لَهُ. (١)

وَسَيَأْتِي الْكَلاَمُ فِي كُل الطُّرُقِ الَّتِي اعْتَبَرَهَا الْفُقَهَاءُ لِلْحُكْمِ سَوَاءٌ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ أَوِ الْمُخْتَلَفُ فِيهِ.

الإِْقْرَارُ:

٦ - الإِْقْرَارُ لُغَةً هُوَ الاِعْتِرَافُ. يُقَال: أَقَرَّ بِالْحَقِّ: إِذَا اعْتَرَفَ بِهِ، وَقَرَّرَهُ غَيْرُهُ بِالْحَقِّ حَتَّى أَقَرَّ بِهِ. (٢) وَشَرْعًا: إِخْبَارٌ عَنْ ثُبُوتِ حَقٍّ لِلْغَيْرِ عَلَى نَفْسِهِ (٣) .

حُجِّيَّةُ الإِْقْرَارِ:

٧ - الإِْقْرَارُ حُجَّةٌ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ وَالْمَعْقُول:

فَمِنَ الْكِتَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَال أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٤) وقَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (٥) . إِذِ الشَّهَادَةُ عَلَى النَّفْسِ إِقْرَارٌ عَلَيْهَا بِالْحَقِّ.

_________

(١) الطرق الحكمية ٢٤ ط الآداب والمؤيد، وتبصرة الحكام ٢ / ١١١ بهامش فتح العلي المالك ط الحلبي الأخيرة.

(٢) مختار الصحاح (قرر) .

(٣) فتح القدير ٦ / ٢٨٠، والشرح الصغير ٣ / ٥٢٥ ط دار المعارف، والبجيرمي ٣ / ١١٩، وكشاف القناع ٦ / ٣٦٧.

(٤) سورة آل عمران / ٨١

(٥) سورة النساء / ١٣٥.

وَمِنَ السُّنَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَقَامَ الْحَدَّ عَلَى مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ (١) بِنَاءً عَلَى إِقْرَارِهِمَا بِالزِّنَا.

وَقَدْ أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ مِنْ عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الآْنَ عَلَى أَنَّ الإِْقْرَارَ حُجَّةٌ عَلَى الْمُقِرِّ، يُؤْخَذُ بِهِ وَيُعَامَل بِمُقْتَضَاهُ.

وَدَلِيلُهُ مِنْ الْمَعْقُول: انْتِفَاءُ التُّهْمَةِ، فَإِنَّ الْعَاقِل لاَ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ كَذِبًا. (٢)

مَرْتَبَةُ الإِْقْرَارِ بَيْنَ طُرُقِ الإِْثْبَاتِ.

٨ - الْفُقَهَاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الإِْقْرَارَ أَقْوَى الأَْدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، لاِنْتِفَاءِ التُّهْمَةِ فِيهِ غَالِبًا.

فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الإِْقْرَارَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ فَوْقَ الشَّهَادَةِ، بِنَاءً عَلَى انْتِفَاءِ التُّهْمَةِ فِيهِ غَالِبًا، وَلاَ يُنَافِي ذَلِكَ أَنَّهُ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ عَلَى الْمُقِرِّ وَحْدَهُ، فِي حِينِ أَنَّ الشَّهَادَةَ حُجَّةٌ مُتَعَدِّيَةٌ؛ لأَِنَّ الْقُوَّةَ وَالضَّعْفَ وَرَاءَ التَّعَدِّيَةِ وَالاِقْتِصَارِ. فَاتِّصَافُ الإِْقْرَارِ بِالاِقْتِصَارِ عَلَى نَفْسِ الْمُقِرِّ، وَالشَّهَادَةِ بِالتَّعَدِّيَةِ إِلَى الْغَيْرِ، لاَ يُنَافِي اتِّصَافَهُ بِالْقُوَّةِ وَاتِّصَافَهَا بِالضَّعْفِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ، بِنَاءً عَلَى انْتِفَاءِ التُّهْمَةِ فِيهِ دُونَهَا. (٣)

وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ الإِْقْرَارَ أَبْلَغُ مِنَ الشَّهَادَةِ.

قَال أَشْهَبُ: " قَوْل كُل أَحَدٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْجَبُ مِنْ دَعْوَاهُ عَلَى غَيْرِهِ. " (٤)

_________

(١) حديث ماعز رواه البخاري وغيره وحديث الغامدية رواه مسلم (تلخيص الحبير ٤ / ٥٧، ٥٨) طبع الفنية المتحدة.

(٢) تكملة فتح القدير ٧ / ٢٩٩ ط الميمنية، والرهوني على الزرقاني ٦ / ١٤١، والبجيرمي على الخطيب ٣ / ١١٩، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٣ / ٤٢٧، والمغني مع الشرح ٥ / ٢٧١، وكشاف القناع ٦ / ٣٦٧

(٣) تكملة فتح القدير ٧ / ٢٩٩.

(٤) تبصرة الحكام ٢ / ٣٩ ط الحلبي.