الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١ الصفحة 26

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١

الثَّالِثُ: جَوَازُ التَّعْلِيقِ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَذَلِكَ لِمَا فِي الإِْبْرَاءِ مِنْ مَعْنَى الإِْسْقَاطِ. (١)

ب - التَّقْيِيدُ بِالشَّرْطِ:

٤٩ - أَوْرَدَ الْبَابَرْتِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ ضَابِطًا لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ مَا فِيهِ تَقْيِيدٌ بِالشَّرْطِ عَمَّا فِيهِ تَعْلِيقٌ عَلَيْهِ، مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، أَمَّا اللَّفْظُ فَهُوَ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالشَّرْطِ لاَ تَظْهَرُ فِيهِ صُورَةُ الشَّرْطِ (عَلَى غَيْرِ مَا يُنْبِئُ عَنْهُ اسْمُهُ) فَلاَ تَأْتِي فِيهِ أَدَاةُ الشَّرْطِ، وَمِثَالُهُ أَنْ يَقُول: أَبْرَأْتُكَ عَلَى أَنْ تَفْعَل كَذَا. . . أَمَّا التَّعْلِيقُ عَلَى الشَّرْطِ فَتُسْتَعْمَل فِيهِ أَدَاةُ شَرْطٍ كَقَوْلِهِ: إِنْ فَعَلْتَ كَذَا فَأَنْتَ بَرِيءٌ.

وَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَفِي التَّقْيِيدِ بِالشَّرْطِ الْحُكْمُ ثَابِتٌ فِي الْحَال عَلَى عَرْضِيَّةِ الزَّوَال إِنْ لَمْ يُوجَدِ الشَّرْطُ، وَفِي التَّعْلِيقِ: الْحُكْمُ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي الْحَال، وَهُوَ بِعَرْضِ أَنْ يَثْبُتَ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ. وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْكَاسَانِيُّ بِمَا هُوَ أَوْجَزُ قَائِلًا: التَّعْلِيقُ هُوَ تَعْلِيقُ الْعَقْدِ، وَالتَّقْيِيدُ هُوَ تَعْلِيقُ الْفَسْخِ بِالشَّرْطِ. (٢)

_________

(١) تكملة فتح القدير والعناية شرح الهداية ٧ / ٤٤، ٤٥، والأشباه والنظائر لابن نجيم وحاشية الحموي ١ / ٢٥٥ و٢ / ٢٢٤ ط استانبول، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٢٧٦ و٥٢٠، والبدائع ٦ / ٤٥ و٥٠، وتنقيح الفتاوى الحامدية ٢ / ٤٠، والدسوقي ٤ / ٩٩، والوجير ١ / ١٨٥، والأشباه والنظائر للسيوطي ١٨٩، والقليوبي ٣ / ٣١٠ و٤ / ٣٦٨، وإعانة الطالبين ٣ / ١٥٢، والمغني لابن قدامة ٥ / ١٦ الطبعة الثالثة مطبعة المنار، والكافي ٢ / ١٢٧ ط المكتب الإسلامي.

(٢) العناية شرح الهداية ٧ / ٤٤ بهامش فتح القدير، والبدائع ٦ / ٤٤

وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى صِحَّةِ تَقْيِيدِ الإِْبْرَاءِ بِالشَّرْطِ فِي الْجُمْلَةِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ تَبَعًا لِتَفْصِيل كُل مَذْهَبٍ بِالنِّسْبَةِ لِلْحُكْمِ عَلَى الشَّرْطِ بِالصِّحَّةِ، عَلَى مَا هُوَ مُفَصَّلٌ فِي الْكَلاَمِ عَنِ (الشَّرْطِ) . (١)

ج - الإِْضَافَةُ:

٥٠ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ إِضَافَةَ الإِْبْرَاءِ (إِلَى غَيْرِ الْمَوْتِ)، وَلَوْ إِلَى وَقْتٍ مَعْلُومٍ، تُبْطِلُهُ. وَلَمْ نَعْثُرْ عَلَى تَصْرِيحٍ لِغَيْرِهِمْ بِقَبُول الإِْبْرَاءِ لِلإِْضَافَةِ، مَعَ إِفَادَةِ عِبَارَاتِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الأَْصْل فِي الإِْبْرَاءِ هُوَ التَّنْجِيزُ. عَلَى أَنَّهُ يُسْتَفَادُ مَنْعُ إِضَافَةِ الإِْبْرَاءِ مِنْ تَصْرِيحِهِمْ بِأَنَّ الإِْبْرَاءَ لِلإِْسْقَاطِ الَّذِي فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ، وَالتَّمْلِيكُ لاَ يَحْتَمِل الإِْضَافَةَ لِلْوَقْتِ. (٢) وَلاَ نَعْلَمُ خِلاَفًا فِي تَصْحِيحِ إِضَافَةِ الإِْبْرَاءِ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ فَقَطْ؛ لأَِنَّهُ وَصِيَّةٌ بِالإِْبْرَاءِ. (٣)

الإِْبْرَاءُ بِشَرْطِ أَدَاءِ الْبَعْضِ:

٥١ - تَأْتِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وُجُوهٍ: إِمَّا أَنْ تَحْصُل مُطْلَقَةً عَنِ الشَّرْطِ، كَأَنْ يَعْتَرِفَ لَهُ

_________

(١) تنقيح الفتاوى الحامدية ٢ / ٤٠، والبحر الرائق ٧ / ٣١٠، وكشاف القناع ٢ / ٤٧٨ ط الشرفية، والالتزامات للحطاب ١ / ٣٣٥، ٣٣٦ فتاوى عليش، والدسوقي ٢ / ٣٠٧، والقليوبي ٢ / ٢٩٢

(٢) البحر الرائق ٧ / ٣٢٢، والبدائع ٦ / ١١٨، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٣٤٣ الطبعة الثانية بولاق.

(٣) الفروع ٤ / ١٩٥، والقليوبي ٣ / ١٦٢، وشرح الروض ٣ / ٤١

بِدَيْنٍ فِي ذِمَّتِهِ، فَيَقُول الدَّائِنُ: قَدْ أَبْرَأْتُكَ مِنْ نِصْفِهِ - أَوْ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْهُ - فَأَعْطِنِي الْبَاقِيَ، فَالإِْبْرَاءُ صَحِيحٌ اتِّفَاقًا لأَِنَّهُ مُنَجَّزٌ غَيْرُ مُعَلَّقٍ وَلاَ مُقَيَّدٍ بِشَرْطٍ، وَالْمُبْرِئُ مُتَطَوِّعٌ بِإِسْقَاطِ بَعْضِ حَقِّهِ بِطِيبٍ مِنْ نَفْسِهِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ. وَاسْتُدِل بِالأَْحَادِيثِ فِي الْوَضْعِ عَنْ جَابِرٍ (١)، وَعَنِ الَّذِي أُصِيبَ فِي حَدِيقَتِهِ (٢)، وَعَنِ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ حَيْثُ قَال النَّبِيُّ ﷺ لِكَعْبٍ: ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دَيْنِكَ. (٣)

وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا الإِْبْرَاءُ عَنِ الْبَعْضِ مُعَلَّقًا عَلَى أَدَاءِ الْبَاقِي، وَقَدْ سَبَقَ حُكْمُ تَعْلِيقِ الإِْبْرَاءِ.

وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا الإِْبْرَاءُ مُقَيَّدًا بِشَرْطِ أَدَاءِ الْبَاقِي، مِثْل أَنْ يَقُول مَنْ لَهُ عَلَى آخَرَ أَلْفٌ: أَبْرَأْتُكَ عَنْ خَمْسِمِائَةٍ، بِشَرْطِ أَنْ تُعْطِيَنِي مَا بَقِيَ.

٥٢ - وَلِلْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الأَْخِيرَةِ آرَاءٌ: أَحَدُهَا: الصِّحَّةُ مُطْلَقًا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ اسْتِيفَاءُ الْبَعْضِ وَإِبْرَاءٌ عَنِ الْبَاقِي. وَاشْتَرَطَ الشَّافِعِيَّةُ الْجَمْعَ بَيْنَ لَفْظَيِ الإِْبْرَاءِ وَالصُّلْحِ، لِيَكُونَ مِنْ أَنْوَاعِ الصُّلْحِ، وَمَعَ ذَلِكَ لاَ يَحْتَاجُ لِقَبُولٍ؛ نَظَرًا لِلَفْظِ الإِْبْرَاءِ، لَكِنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَالُوا: إِنْ لَمْ يُقَيِّدْ أَدَاءَ الْبَعْضِ الْمُعَجَّل بِيَوْمٍ مُعَيَّنٍ، بَرِئَ

_________

(١) حديث الوضع عن جابر تقدم تخريجه.

(٢) تقدم تخريجه أيضا.

(٣) حديث كعب حيث قال النبي ﷺ له " ضع الشطر من دينك " رواه البخاري في موضعين من صحيحه ١ / ٥٥١، ٥٦١ ط السلفية ورواه مسلم ٣ / ١١٩٢ ط عيسى الحلبي.

أَعْطَاهُ الْبَاقِيَ أَوْ لَمْ يُعْطِ، وَإِنْ قَيَّدَ أَدَاءَ الْبَعْضِ الْمُعَجَّل بِيَوْمٍ، قَائِلًا لَهُ: إِنْ لَمْ تَنْقُدْنِي فِيهِ فَالْمَال عَلَى حَالِهِ، ثُمَّ لَمْ يَنْقُدْهُ، لَمْ يَبْرَأْ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ الْعِبَارَةَ الأَْخِيرَةَ وَاكْتَفَى بِتَحْدِيدِ الْيَوْمِ، فَفِيهِ خِلاَفٌ: فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ حُكْمُهُ كَمَا لَوْ قَالَهَا، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ: حُكْمُهُ كَالأَْوَّل الْمُطْلَقِ عَنِ التَّحْدِيدِ. وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى عَدَمِ صِحَّةِ الإِْبْرَاءِ الْمُقَيَّدِ بِشَرْطِ أَدَاءِ الْبَعْضِ؛ لأَِنَّهُ إِبْرَاءٌ عَنْ بَعْضِ الْحَقِّ لأَِنَّهُ مَا أَبْرَأَهُ عَنْ بَعْضِ حَقِّهِ إِلاَّ لِيُوَفِّيَهُ بَقِيَّتَهُ، فَكَأَنَّهُ عَاوَضَ بَعْضَ حَقِّهِ بِبَعْضٍ.

هَذَا كُلُّهُ إِنْ كَانَ الشَّرْطُ أَدَاءَ الْبَاقِي، أَمَّا إِنْ أَبْرَأَهُ عَنِ الْبَعْضِ بِشَرْطِ تَعْجِيل الْبَاقِي فَقَدْ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ غَيْرُ صَحِيحٍ لأَِنَّهُ يُشْبِهُ رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِنْ عَجَّل ذَلِكَ الْبَعْضَ بِغَيْرِ شَرْطٍ، فَأَخَذَهُ مِنْهُ وَأَبْرَأَهُ مِمَّا بَقِيَ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ. (١)

الإِْبْرَاءُ بِعِوَضٍ:

٥٣ - تَعَرَّضَ الشَّافِعِيَّةُ لِمَسْأَلَةِ بَذْل الْعِوَضِ عَلَى الإِْبْرَاءِ، فَذَهَبُوا إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ، كَأَنْ يُعْطِيَهُ ثَوْبًا مَثَلًا

_________

(١) العناية شرح الهداية ٧ / ٤٥، وتكملة فتح القدير ٧ / ٤١، والبدائع ٦ / ٤٤، ٤٥ (وقد جعلوا المسألة على خمس صور بحسب البدء بالإبراء فيكون تقييدا، أو البدء بالأداء فيكون تعليقا وبحسب تحديد وقت الأداء)، والفتاوى الخانية ٣ / ١٤١، والدسوقي ٣ / ٣١٠، والقليوبي وعميرة ٤ / ٣٦٨ و٢ / ٣٠٨، وشرح الروض ٢ / ٢١٥، والوجيز ١ / ١٧٧، والمغني لابن قدامة ٤ / ٣٦٣ ط مكتبة القاهرة

فِي مُقَابَلَةِ الإِْبْرَاءِ مِمَّا عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ، فَيَمْلِكُ الدَّائِنُ الْعِوَضَ الْمَبْذُول لَهُ بِالإِْبْرَاءِ، وَيَبْرَأُ الْمَدِينُ.

وَقَالُوا: أَمَّا لَوْ أَعْطَاهُ بَعْضَ الدَّيْنِ عَلَى أَنْ يُبْرِئَهُ مِنَ الْبَاقِي، فَلَيْسَ مِنَ التَّعْوِيضِ فِي شَيْءٍ، بَل مَا قَبَضَهُ بَعْضُ حَقِّهِ، وَالْبَاقِي فِي ذِمَّتِهِ، لَكِنَّهُمْ صَوَّرُوا وُقُوعَ ذَلِكَ بِالْمُوَاطَأَةِ مِنْهُمَا قَبْل الْعَقْدِ، ثُمَّ دَفْعُ ذَلِكَ قَبْل الْبَرَاءَةِ أَوْ بَعْدَهَا، فَلَوْ قَال: أَبْرَأْتُكَ عَلَى أَنْ تُعْطِيَنِي كَذَا، فَقَدْ قِيل فِي ذَلِكَ بِالْبُطْلاَنِ. (١)

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَإِنَّهُمْ يُخَرِّجُونَ مَسْأَلَةَ الإِْبْرَاءِ عَلَى عِوَضٍ، عَلَى أَنَّهَا صُلْحٌ بِمَالٍ. (٢) وَلَمْ نَعْثُرْ عَلَى رَأْيِ بَقِيَّةِ الْمَذَاهِبِ فِي ذَلِكَ، وَلَعَل مَا جَاءَ فِي مَسْأَلَةِ الإِْبْرَاءِ عَنْ بَعْضِ الدَّيْنِ بِأَدَاءِ بَعْضِهِ يُؤْخَذُ مِنْهُ حُكْمُهَا إِذَا كَانَ الْعِوَضُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهِيَ مِنَ التَّقْيِيدِ بِالشَّرْطِ، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ.

الرُّجُوعُ عَنِ الإِْبْرَاءِ:

٥٤ - قَدْ يَرْجِعُ الْمُبْرِئُ عَنِ الإِْبْرَاءِ بَعْدَ صُدُورِ الإِْيجَابِ فَقَطْ، أَوْ بَعْدَهُ وَبَعْدَ الْقَبُول وَعَدَمِ الرَّدِّ عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ. فَفِي أَثَرِ هَذَا الْعُدُول رَأْيَانِ لِلْفُقَهَاءِ:

ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيَّةِ - إِلَى أَنَّهُ لاَ يَسْتَفِيدُ مِنْ رُجُوعِهِ شَيْئًا؛ لأَِنَّ مَا كَانَ لَهُ سَقَطَ بِالإِْبْرَاءِ، وَالسَّاقِطُ لاَ يَعُودُ، وَلاَ بَقَاءَ لِلدَّيْنِ بَعْدَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَهَبَهُ شَيْئًا فَتَلِفَ.

_________

(١) الجمل على شرح المنهج ٣ / ٣٨١ ط إحياء التراث.

(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٤٥٦ ط بولاق.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْقَوْل الآْخَرِ إِلَى أَنَّهُ يُفِيدُ فِيهِ الرُّجُوعُ، وَذَلِكَ تَغْلِيبًا لِمَعْنَى التَّمْلِيكِ فِي الإِْبْرَاءِ وَاشْتِرَاطِ الْقَبُول لَهُ، حَيْثُ إِنَّ لِلْمُوجِبِ فِي عُقُودِ التَّمْلِيكِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ إِيجَابِهِ مَا لَمْ يَتَّصِل بِهِ الْقَبُول. . . لَكِنَّ النَّوَوِيَّ اخْتَارَ عَدَمَ الرُّجُوعِ وَلَوْ قِيل: إِنَّهُ تَمْلِيكٌ. (١)

وَمِمَّا يَتَّصِل بِالرُّجُوعِ مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ مِنْ أَنَّ الإِْبْرَاءَ لاَ تَجْرِي فِيهِ الإِْقَالَةُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الإِْبْرَاءَ إِسْقَاطٌ، فَيَسْقُطُ بِهِ الْحَقُّ مِنَ الذِّمَّةِ، وَمَتَى سَقَطَ لاَ يَعُودُ، طِبْقًا لِلْقَاعِدَةِ الْمَعْرُوفَةِ (السَّاقِطُ لاَ يَعُودُ) . (٢)

بُطْلاَنُ الإِْبْرَاءِ وَفَسَادُهُ:

٥٥ - الإِْبْرَاءُ إِمَّا أَنْ يَبْطُل أَصَالَةً لِتَخَلُّفِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهِ، أَوْ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِ تِلْكَ الأَْرْكَانِ، وَإِمَّا أَنْ يَفْسُدَ لاِقْتِرَانِهِ بِشَرْطٍ مُفْسِدٍ، عَلَى الْخِلاَفِ فِي ذَلِكَ. وَبَيَانُهُ فِي (الْبُطْلاَنِ وَالْفَسَادِ) . وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْبُطْلاَنُ لِتَضَمُّنٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الإِْبْرَاءُ ضِمْنَ عَقْدٍ فَيَرْتَبِطُ مَصِيرُهُ بِهِ، فَإِذَا بَطَل ذَلِكَ الْعَقْدُ بَطَل الإِْبْرَاءُ.

وَقَدْ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَبْطُل الإِْبْرَاءُ إِذَا بَطَل الْعَقْدُ الَّذِي تَضَمَّنَهُ، وَهَذَا إِذَا كَانَ الإِْبْرَاءُ

_________

(١) تكملة ابن عابدين ٢ / ٤٦١ الطبعة الثانية مطبعة عيسى الحلبي، والأشباه للسيوطي ١٨٩، والدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ٩٩، وكشاف القناع ٢ / ٤٧٧، والجمل على شرح المنهج ٤ / ٥٩٩ وقال: سواء قلنا إنه تمليك أو إسقاط.

(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ١٤٦، ١٥١ والمجلة العدلية المادة ٥١

خَاصًّا بِذَلِكَ الْعَقْدِ وَبُنِيَ عَلَيْهِ الإِْبْرَاءُ - أَوْ بِتَعْبِيرِ الشَّافِعِيَّةِ: ارْتَبَطَ بِهِ - سَوَاءٌ أَكَانَ عَقْدَ بَيْعٍ أَمْ صُلْحٍ، لِمَا عُرِفَ فِي الْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ: إِذَا بَطَل الشَّيْءُ بَطَل مَا فِي ضِمْنِهِ، أَوْ: إِذَا بَطَل الْمُتَضَمِّنُ (بِكَسْرِ الْمِيمِ) بَطَل الْمُتَضَمَّنُ (بِالْفَتْحِ) .

أَمَّا إِذَا كَانَ الإِْبْرَاءُ عَامًّا عَنْ كُل حَقٍّ وَدَعْوَى فَلاَ يَبْطُل، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ الإِْبْرَاءُ خَاصًّا لَكِنَّهُ لَمْ يُبْنَ عَلَى الْعَقْدِ الْفَاسِدِ، بِأَنْ قَال الْمُبْرِئُ: أَبْرَأْتُهُ عَنْ تِلْكَ الدَّعْوَى إِبْرَاءً غَيْرَ دَاخِلٍ تَحْتَ الصُّلْحِ، فَإِنَّهُ لاَ يَبْطُل الإِْبْرَاءُ بِبُطْلاَنِ الصُّلْحِ، عَلَى مَا حَقَّقَهُ ابْنُ عَابِدِينَ (١) .

أَثَرُ الإِْبْرَاءِ:

٥٦ - يَتَرَتَّبُ عَلَى الإِْبْرَاءِ الْمُسْتَوْفِي أَرْكَانَهُ وَمَا يَتَّصِل بِهَا مِنْ شُرُوطٍ أَنْ تَبْرَأَ ذِمَّةُ الْمَدِينِ الْمُبْرَإِ عَمَّا أُبْرِئَ مِنْهُ بِحَسَبِ الصِّيغَةِ عُمُومًا أَوْ خُصُوصًا.

وَبِذَلِكَ يَسْقُطُ عَنْهُ وَلاَ يَبْقَى لِلدَّائِنِ حَقُّ الْمُطَالَبَةِ، فَلاَ تُسْمَعُ دَعْوَاهُ فِيمَا تَنَاوَلَهُ الإِْبْرَاءُ، وَذَلِكَ إِلَى حِينِ وُقُوعِهِ، دُونَ مَا يَحْدُثُ بَعْدَهُ، فَلاَ تُقْبَل دَعْوَاهُ بِحَقٍّ مُسْتَنِدًا إِلَى نِسْيَانٍ أَوْ جَهْلٍ. (٢)

وَلاَ يَقْتَصِرُ تَصْوِيرُ الأَْثَرِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الإِْبْرَاءِ بِسُقُوطِ الدَّيْنِ أَوِ الْحَقِّ وَعَدَمِ الْمُطَالَبَةِ، بَل قَدْ يُرَافِقُ

_________

(١) المجلة العدلية المادة ١٥٦٦، وتبويب الأشباه والنظائر ٣٧٢، والفتاوى الكبرى لابن حجر ٣ / ٥٧

(٢) تبويب الأشباه لابن نجيم ٣٨٩، ومرشد الحيران، المادة ٣٤، والمجلة العدلية المادة ١٥٦٢ - ١٥٦٤، والدسوقي ٣ / ٤١١، وتنبيه ذوى الأفهام من مجموعة رسائل ابن عابدين ٣ / ٩٠

ذَلِكَ أَثَرٌ خَاصٌّ مُنَاسِبٌ لِمَوْضُوعِ الإِْبْرَاءِ. يَتَّضِحُ مِنَ الأَْمْثِلَةِ التَّالِيَةِ لِمَذْهَبٍ أَوْ آخَرَ: فَفِي الرَّهْنِ مَثَلًا يَنْفَكُّ بِالإِْبْرَاءِ، وَيَسْتَرِدُّهُ الرَّاهِنُ كَمَا لَوْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ، أَمَّا إِبْرَاءُ الْمُرْتَهِنِ لِلْجَانِي فَلاَ أَثَرَ لَهُ، لِعَدَمِ صِحَّةِ الإِْبْرَاءِ، وَمَعَ هَذَا لاَ يَسْقُطُ بِهِ حَقُّهُ مِنَ الْوَثِيقَةِ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (١) .

هَذَا وَإِنَّ لِلإِْبْرَاءِ مِنَ الأَْثَرِ مَا لِقَبْضِ الْحَقِّ الْمُبْرَإِ مِنْهُ، فَمَثَلًا لَوْ أُحِيل الْبَائِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى مَدِينٍ لِلْمُشْتَرِي ثُمَّ أَبْرَأَ الْبَائِعُ الْمُحَال عَلَيْهِ مِنَ الدَّيْنِ قَبْل الْفَسْخِ، فَإِنَّ ذَلِكَ كَقَبْضِهِ لَهُ فِي الأَْحْكَامِ مِنْ حَيْثُ إِعَادَةُ الْمَقْبُوضِ بِسَبَبِ الْفَسْخِ، فَهُنَا لِلْمُشْتَرِي مُطَالَبَةُ الْبَائِعِ بِمِثْل الْمُحَال بِهِ الَّذِي أُبْرِئَ مِنْهُ. (٢)

٥٧ - وَقَدِ اسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنَ الأَْثَرِ التَّبَعِيِّ لِلإِْبْرَاءِ، وَهُوَ عَدَمُ سَمَاعِ الدَّعْوَى بَعْدَهُ، الْمَسَائِل التَّالِيَةَ:

١ - ادِّعَاءُ ضَمَانِ الدَّرَكِ فِي الْبَيْعِ السَّابِقِ لِلإِْبْرَاءِ؛ لأَِنَّهُ وَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ مُتَقَدِّمًا عَلَى الإِْبْرَاءِ وَمَشْمُولًا بِأَثَرِهِ، فَإِنَّ ضَمَانَ الدَّرَكِ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ، وَهَذَا مِنْ قَبِيل الاِسْتِحْسَانِ.

٢ - ظُهُورُ شَيْءٍ مِنَ الْحُقُوقِ لِلْقَاصِرِ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ بِهِ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ بَلَغَ، فَأَبْرَأَ وَصِيَّهُ إِبْرَاءً عَامًّا بِأَنْ

_________

(١) القليوبي ٢ / ٢٨٠ و٢٧٨، وشرح الروض ٢ / ١٧٦

(٢) شرح الروض ٢ / ٢٣٣

أَقَرَّ أَنَّهُ قَبَضَ تَرِكَةَ وَالِدِهِ وَلَمْ يَبْقَ لَهُ حَقٌّ مِنْهَا إِلاَّ اسْتَوْفَاهُ، فَإِنِ ادَّعَى فِي يَدِ الْوَصِيِّ شَيْئًا مِنْ تَرِكَةِ أَبِيهِ وَبَرْهَنَ يُقْبَل.

٣ - ادِّعَاءُ الْوَصِيِّ عَلَى رَجُلٍ دَيْنًا لِلْمَيِّتِ بَعْدَ إِقْرَارِهِ بِاسْتِيفَاءِ جَمِيعِ مَا لَهُ عَلَى النَّاسِ.

٤ - ادِّعَاءُ الْوَارِثِ عَلَى رَجُلٍ دَيْنًا لِلْمُوَرِّثِ بَعْدَ إِقْرَارِهِ عَلَى النَّحْوِ السَّابِقِ.

وَوَجْهُ اسْتِثْنَاءِ هَذِهِ الصُّوَرِ أَنَّ مَوْضُوعَ الإِْبْرَاءِ فِيهَا قَدِ اكْتَنَفَهُ خَفَاءٌ يُعْذَرُ بِهِ الْمُبْرِئُ فِي دَعْوَاهُ مَعَ صُدُورِ الإِْبْرَاءِ الْعَامِّ عَنْهُ، كَمَا أَنَّ الصُّورَتَيْنِ الأَْخِيرَتَيْنِ هُمَا مِنْ إِبْرَاءِ الاِسْتِيفَاءِ؛ أَيِ الإِْقْرَارِ بِالْبَرَاءَةِ. (١)

٥٨ - هَذَا، وَأَنَّ سُقُوطَ الْمُبْرَإِ مِنْهُ - كَأَثَرٍ لِلإِْبْرَاءِ - إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْقَضَاءِ، أَيْ فِي الدُّنْيَا، أَمَّا الأَْثَرُ الأُْخْرَوِيُّ، أَيْ فِي الدِّيَانَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ رَأْيُ الْحَنَفِيَّةِ فِي سُقُوطِهِ، فَقِيل: تَسْقُطُ بِهِ الدَّعْوَى قَضَاءً لاَ دِيَانَةً، وَقِيل: تَسْقُطُ دِيَانَةً أَيْضًا، فَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ عَابِدِينَ أَنَّهُ فِي الصُّلْحِ عَلَى بَعْضِ الدَّيْنِ إِنَّمَا يَبْرَأُ عَنْ بَاقِيهِ فِي الْحُكْمِ لاَ فِي الدِّيَانَةِ، فَلَوْ ظَفِرَ بِهِ أَخَذَهُ. وَأَنَّهُ فِي الإِْبْرَاءِ الْعَامِّ مَعَ جَهْل الْمُبْرَإِ مِنْهُ يَبْرَأُ مِنَ الْكُل قَضَاءً، أَمَّا فِي الآْخِرَةِ فَلاَ يَبْرَأُ إِلاَّ بِقَدْرِ مَا يَظُنُّ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ. (٢)

_________

(١) تبويب الأشباه والنظائر لابن نجيم ٣٦٧، وتنبيه ذوي الأفهام لابن عابدين ٢ / ٩١

(٢) تبويب الأشباه والنظائر لابن نجيم ٣٨٠، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٢١٨، وتنبيه الأعلام لابن عابدين ٢ / ٨٨

وَلِلْمَالِكِيَّةِ قَوْلاَنِ فِي الأَْثَرِ الأُْخْرَوِيِّ لِلإِْبْرَاءِ مَعَ الإِْنْكَارِ.

أَوَّلُهُمَا: وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ أَيْضًا فِي اسْتِحْلاَل الْغَاصِبِ: أَنَّهُ يَبْرَأُ، فَلاَ يُؤَاخَذُ بِحَقٍّ جَحَدَهُ وَأَبْرَأَهُ صَاحِبُهُ مِنْهُ. وَيَتَّصِل بِهَذَا الاِتِّجَاهِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيَّةُ فِي الإِْبْرَاءِ مِنَ الْمَجْهُول (الَّذِي لَمْ يُصَحِّحُوهُ) مِنْ أَنَّهُ يَبْرَأُ بِهِ فِي الآْخِرَةِ، لأَِنَّ الْمُبْرِئَ رَاضٍ بِذَلِكَ.

وَالْقَوْل الآْخَرُ لِلْمَالِكِيَّةِ: لاَ تَسْقُطُ عَنْهُ مُطَالَبَةُ اللَّهِ فِي الآْخِرَةِ بِحَقِّ خَصْمِهِ. (١)

سَمَاعُ الدَّعْوَى بَعْدَ الإِْبْرَاءِ الْعَامِّ:

٥٩ - سَبَقَتِ الإِْشَارَةُ إِلَى أَنَّ الأَْثَرَ التَّبَعِيَّ لِلإِْبْرَاءِ هُوَ مَنْعُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ ذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ التَّفْصِيل التَّالِيَ الَّذِي لَمْ نَعْثُرْ لِغَيْرِهِمْ عَلَى مِثْلِهِ: إِنْ كَانَ الإِْبْرَاءُ الْعَامُّ عَنِ الدَّيْنِ فَلاَ تُسْمَعُ الدَّعْوَى بَعْدَهُ إِلاَّ عَنْ دَيْنٍ حَادِثٍ بَعْدَ الإِْبْرَاءِ.

أَمَّا إِنْ كَانَ عَنْ عَيْنٍ فَلاَ تُسْمَعُ الدَّعْوَى بَعْدَهُ إِذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُنْكِرًا كَوْنَ الْعَيْنِ لِلْمُدَّعِي لأَِنَّهُ لَمْ يَتَمَسَّكْ بِالإِْبْرَاءِ بَل بِالإِْنْكَارِ، فَيَكُونُ الإِْبْرَاءُ مِنَ الْمُدَّعِي مُوَافَقَةً عَلَى ذَلِكَ الإِْنْكَارِ، فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُقِرًّا بِأَنَّ الْعَيْنَ لِلْمُدَّعِي، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِالإِْبْرَاءِ الصَّادِرِ عَنْهُ، فَإِنَّ الْعَيْنَ إِذَا كَانَتْ قَائِمَةً تُسْمَعُ الدَّعْوَى بِهَا بَعْدَ الإِْبْرَاءِ عَنْهَا. (أَمَّا إِنْ كَانَتْ هَالِكَةً فَهُوَ إِبْرَاءٌ

_________

(١) الدسوقي على الشرح الكبير ٣ / ٤١١ نقلا عن شرح القرطبي لصحيح مسلم، وإعانة الطالبين ٣ / ١٥٢، ومجموع فتاوى ابن تيمية ٣ / ٣٧٦ ط الرياض.