الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١ الصفحة 20

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ١

لَكِنْ قَدْ يُطْلِقُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لَفْظَ الآْبِقِ عَلَى مَنْ ذَهَبَ مُخْتَفِيًا مُطْلَقًا لِسَبَبٍ أَوْ غَيْرِهِ (١) .

صِفَةُ الإِْبَاقِ (حُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ):

٢ - الإِْبَاقُ مُحَرَّمٌ شَرْعًا بِالاِتِّفَاقِ، وَهُوَ عَيْبٌ فِي الْعَبْدِ، وَقَدْ عَدَّهُ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ وَالذَّهَبِيُّ مِنَ الْكَبَائِرِ (٢)، وَوَرَدَتْ فِي النَّهْيِ عَنْهُ عِدَّةُ أَحَادِيثَ: مِنْهَا مَا رَوَى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: أَيُّمَا عَبْدٌ أَبَقَ مِنْ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ وَفِي رِوَايَةٍ أَيُّمَا عَبْدٌ أَبَقَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ. (٣)

بِمَ يَتَحَقَّقُ الإِْبَاقُ:

٣ - الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَاتِ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ الْبُلُوغُ وَالْعَقْل فِي الْعَبْدِ إِذَا هَرَبَ لِيُمْكِنَ اعْتِبَارُهُ آبِقًا بِالْمَعْنَى الْمُتَقَدِّمِ (٤)، أَمَّا مَنْ لَمْ يَعْقِل مَعْنَى الإِْبَاقِ - وَهُوَ غَيْرُ الْعَاقِل الْبَالِغِ - فَلاَ يَكُونُ آبِقًا، وَيُسَمَّى ضَالًّا، أَوْ لُقَطَةً. (٥)

_________

(١) المراجع السابقة.

(٢) الكبائر للذهبي (الكبيرة ٥٧) والزواجر لابن حجر ٢ / ٨٣ ط دار المعرفة.

(٣) حديث: " أيما عبد أبق. . . " رواه مسلم بروايتيه عن جرير (صحيح مسلم ١ / ٨٣ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي)

(٤) الفتاوى الأنقروية ١ / ٢٠٤ ط الأميرية، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ١٢٧ ط الحلبي، ومغني المحتاج شرح المنهاج ٢ / ٤٢٩ ط الحلبي، وكشاف القناع ٢ / ٤٢٠ ط الشرفية.

(٥) المراجع السابقة

أَخْذُ الآْبِقِ:

٤ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يَجِبُ أَخْذُ الآْبِقِ إِنْ خُشِيَ ضَيَاعُهُ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ تَلَفُهُ عَلَى مَوْلاَهُ إِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ، مَعَ قُدْرَةٍ تَامَّةٍ عَلَيْهِ. وَيَحْرُمُ عِنْدَهُمْ أَخْذُهُ لِنَفْسِهِ. (١)

أَمَّا إِذَا لَمْ يَخْشَ ضَيَاعَهُ وَقَوِيَ عَلَى أَخْذِهِ فَذَلِكَ مَنْدُوبٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، إِلاَّ أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: يُنْدَبُ لِمَنْ وَجَدَ آبِقًا وَعَرَفَ رَبَّهُ، أَنْ يَأْخُذَهُ؛ لأَِنَّهُ مِنْ بَابِ حِفْظِ الأَْمْوَال، إِذَا لَمْ يَخْشَ ضَيَاعَهُ. أَمَّا إِذَا كَانَ لاَ يَعْرِفُ رَبَّهُ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ أَخْذُهُ لاِحْتِيَاجِهِ إِلَى الإِْنْشَادِ وَالتَّعْرِيفِ. (٢)

وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَخْذُ الآْبِقِ - بِدُونِ رِضَا الْمَالِكِ - غَيْرُ جَائِزٍ، وَيَجُوزُ بِإِذْنِهِ. (٣)

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَخْذُ الآْبِقِ جَائِزٌ؛ لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ لَحَاقُهُ بِدَارِ الْحَرْبِ وَارْتِدَادُهُ وَاشْتِغَالُهُ بِالْفَسَادِ، بِخِلاَفِ الضَّوَال الَّتِي تَحْتَفِظُ بِنَفْسِهَا. (٤)

صِفَةُ يَدِ الآْخِذِ لِلآْبِقِ:

٥ - الَّذِي يُفْهَمُ مِنْ عِبَارَاتِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الآْبِقَ يُعْتَبَرُ أَمَانَةً بِيَدِ آخِذِهِ حَتَّى يَرُدَّهُ إِلَى صَاحِبِهِ، وَلاَ يَضْمَنَهُ إِلاَّ بِالتَّعَدِّي أَوِ التَّفْرِيطِ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ سَيِّدَهُ دَفَعَهُ إِلَى الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ. (٥)

_________

(١) فتح القدير ٤ / ٤٣٤ ط الأميرية، ورد المحتار ٣ / ٣٢٥، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ١٢٧

(٢) فتح القدير ٤ / ٤٣٤ ط الأميرية، ورد المحتار ٣ / ٣٢٥، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ١٢٧

(٣) مغني المحتاج شرح المنهاج ٢ / ٤١٠

(٤) كشاف القناع ٢ / ٤٢١

(٥) الفتاوى الأنقروية ١ / ٢٠٣، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٢٠ ط الحلبي، ومغني المحتاج ٢ / ٤١٠، ومنتهى الإرادات ١ / ٥٥٢ ط دار العروبة.

الإِْنْفَاقُ عَلَى الآْبِقِ أَثْنَاءَ إِبَاقِهِ:

٦ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّ آخِذَ الآْبِقِ إِذَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ بِدُونِ إِذْنِ الْحَاكِمِ يَكُونُ مُتَبَرِّعًا، فَلاَ يَرْجِعُ عَلَى سَيِّدِهِ بِمَا أَنْفَقَ (١) فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ فَلَهُ الرُّجُوعُ.

وَيُشْتَرَطُ فِي الإِْذْنِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ يَقُول: عَلَى أَنْ تَرْجِعَ بِمَا أَنْفَقْتُ عَلَيْهِ. (٢)

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ لَمْ يَجِدِ الْحَاكِمَ أَشْهَدَ أَنَّهُ أَنْفَقَ لِيَرْجِعَ بِمَا أَنْفَقَ. (٣)

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ: أَنَّ نَفَقَةَ الآْبِقِ فِي رَقَبَتِهِ، لاَ فِي ذَمِّهِ سَيِّدِهِ. (٤)

وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ: أَنَّهُ إِذَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ آخِذُهُ لِيَرُدَّهُ عَلَى سَيِّدِهِ، فَإِنَّ نَفَقَتَهُ تَكُونُ عَلَى سَيِّدِهِ يَأْخُذُهَا مِنْهُ عِنْدَ رَدِّهِ. (٥)

ضَمَانُ مَا يُتْلِفُهُ الآْبِقُ:

٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ جِنَايَةَ الْعَبْدِ الآْبِقِ عَلَى شَيْءٍ كَجِنَايَتِهِ قَبْل الإِْبَاقِ؛ لأَِنَّهُ فِي حَال الإِْبَاقِ لاَ يَزَال فِي مِلْكِ سَيِّدِهِ.

وَجِنَايَتُهُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ إِتْلاَفًا لِنَفْسٍ، أَوْ لِجُزْءٍ مِنْ آدَمِيٍّ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ إِتْلاَفًا لِمَالٍ.

فَإِنْ قَتَل نَفْسًا عَمْدًا بِغَيْرِ حَقٍّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، إِلاَّ إِذَا رَضِيَ وَلِيُّ الدَّمِ بِالْعَفْوِ عَنِ الْعَبْدِ وَتَصَالَحَ عَلَى مَالٍ، فَيَكُونُ الْوَاجِبُ الْمَال الْمُصَالَحَ

_________

(١) مجمع الأنهر ١ / ٤٣٤ ط الحاج محرم، ومغني المحتاج ٢ / ٤٣٤

(٢) مجمع الأنهر ١ / ٤٣٤

(٣) شرح روض الطالبين ٢ / ٤٤٤ ط الميمنية.

(٤) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ١٢٧

(٥) المغني مع الشرح الكبير ٩ / ٣١٧ ط المنار الأولى.

عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ يَدْفَعَ بِهِ إِلَى أَوْلِيَاءِ الدَّمِ أَوْ يَفْدِيَهُ سَيِّدُهُ. (١)

أَمَّا إِذَا أَتْلَفَ جُزْءًا مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ أَتْلَفَ مَالًا، فَلِكُل مَذْهَبٍ مِنَ الْمَذَاهِبِ الأَْرْبَعَةِ رَأْيُهُ فِي بَيَانِ هَذَا الْحُكْمِ، يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي بَابِ الضَّمَانِ.

دِيَةُ الآْبِقِ لِمَنْ تَكُونُ؟

٨ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الآْبِقَ لاَ يَزَال مَمْلُوكًا لِسَيِّدِهِ، فَإِذَا قُتِل عَلَى وَجْهٍ يَسْتَوْجِبُ الدِّيَةَ، أَوْ أُتْلِفَ مِنْ بَدَنِهِ مَا يَسْتَوْجِبُ الأَْرْشَ، فَدِيَتُهُ وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ لِسَيِّدِهِ. (٢)

بَيْعُ الآْبِقِ وَمَتَى يَجُوزُ؟

٩ - يَجُوزُ - اتِّفَاقًا - لِلْمَالِكِ بَيْعُ عَبْدِهِ الآْبِقِ إِذَا قَدَرَ عَلَى تَسْلِيمِهِ لِلْمُشْتَرِي، كَمَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي بَيْعُ الآْبِقِ إِذَا دُفِعَ إِلَيْهِ وَرَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي بَيْعِهِ بَعْدَ أَنْ يَحْبِسَهُ، عَلَى خِلاَفٍ فِي مُدَّةِ حَبْسِهِ بَيْنَ الْمَذَاهِبِ (٣) . وَلَيْسَ لآِخِذِ الآْبِقِ أَنْ يَبِيعَهُ لأَِنَّهُ لَيْسَ مِلْكًا لَهُ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِمَنْعِ بَيْعِ الْفُضُولِيِّ وَلأَِنَّ الْمَالِكَ مَجْهُولٌ عِنْدَ مَنْ يَقُول بِصِحَّةِ بَيْعِهِ.

اعْتِبَارُ الإِْبَاقِ عَيْبًا فِي الْعَبْدِ:

١٠ - الإِْبَاقُ فِي الْعَبْدِ وَالأَْمَةِ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ الْمَبِيعُ،

_________

(١) تبيين الحقائق ٦ / ١٥٤ ط الأميرية، والشرح الكبير للدردير ٤ / ٢٤١ ط عيسى الحلبي، والمحرر ٢ / ١٢٥ ط السنة المحمدية، وشرح الروض ٤ / ١٣، ٤٥، والقليوبي ٤ / ١٥٧، ١٥٨ ط الحلبي.

(٢) المبسوط للسرخسي ١١ / ٢٣ ط الأولى، والدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ١٢٨، وحاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ٧ / ٣٢٨ ط مصطفى الحلبي، والمغني لابن قدامة ٩ / ٣٥٢

(٣) الفتاوى الهندية ٢ / ٢٩٩ ط المكتبة الإسلامية، وحاشية الدسوقي ٣ / ١١، والمجموع ٩ / ٢٧٣ ط الإرشاد بجدة، ونيل المآرب ١ / ٩٩ ط بولاق.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي خِيَارِ الْعَيْبِ.

إِبَاقُ الْعَبْدِ مِنْ آخِذِهِ:

١١ - تَقَدَّمَ الْقَوْل (ف ٥) أَنَّ يَدَ آخِذِ الآْبِقِ يَدُ أَمَانَةٍ. وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ إِذَا هَرَبَ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ وَلاَ تَفْرِيطٍ، فَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ.

عِتْقُ الآْبِقِ قَبْل رَدِّهِ:

١٢ - أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَوْلَى الْعَبْدِ الآْبِقِ لَوْ أَعْتَقَهُ حَال إِبَاقِهِ وَقَبْل تَسَلُّمِهِ مِنْ آخِذِهِ نَفَذَ عِتْقُهُ. (١)

رَدُّ الآْبِقِ وَالْجُعْل فِيهِ:

١٣ - يُؤْخَذُ مِنْ تَعْرِيفِ الْجُعْل عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ مِقْدَارٌ مِنَ الْمَال يَسْتَحِقُّهُ مَنْ رَدَّ آبِقًا أَوْ ضَالَّةً نَظِيرَ قِيَامِهِ بِهَذَا الْعَمَل.

وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الْجُعْل: فَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ مِقْدَارَ الْجُعْل الْمُسْتَحَقِّ لِرَادِّ الآْبِقِ هُوَ مَا سَمَّاهُ الْجَاعِل، أَوْ مَا تَمَّ الاِتِّفَاقُ عَلَيْهِ بَيْنَ الآْذِنِ بِالْعَمَل وَالْعَامِل. (٢)

غَيْرَ أَنَّ الْحَنَابِلَةَ قَالُوا: إِنْ كَانَ الْمُسَمَّى أَقَل مِمَّا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ وَهُوَ دِينَارٌ أَوِ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا، فَلِرَادِّ الآْبِقِ مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ، (٣) عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْنِ، وَالْقَوْل الآْخَرُ أَنَّهُ يُؤْخَذُ بِالْمُسَمَّى بَالِغًا مَا بَلَغَ. وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ أَصْبَحَ مِمَّا لاَ حَاجَةَ إِلَيْهِ.

وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ أَقْصَى مِقْدَارِ الْجُعْل هُوَ مَا قَدَّرَهُ الشَّارِعُ وَهُوَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، إِذَا كَانَ مِنْ مَسَافَةِ قَصْرٍ

_________

(١) فتح القدير ٤ / ٤٣٨ ط بولاق، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ١٢٧ ط الحلبي، ومغني المحتاج ٢ / ١٣ ط الحلبي، والمغني لابن قدامة ١٢ / ٢٣٨

(٢) الشرح الصغير ٤ / ٨٣، ٨٤ ط دار المعارف بمصر، والأم ٤ / ٦٩ المطبعة الفنية، وكشف المخدرات ص ٣٠٥ ط السلفية.

(٣) الإقناع لأبي النجا المقدسي ٢ / ٣٩٤ ط دار المعرفة ببيروت.

فَأَكْثَرَ، لِوُرُودِ أَثَرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِذَلِكَ التَّقْدِيرِ. (١)

تَصَرُّفَاتُ الآْبِقِ:

١٤ - تَصَرُّفَاتُ الآْبِقِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِمَّا تَنْفُذُ عَلَيْهِ فِي الْحَال، كَالطَّلاَقِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا اتِّصَالٌ بِالْمَال وَحُقُوقِ الْغَيْرِ، كَالزَّوَاجِ وَالإِْقْرَارِ وَالْهِبَةِ.

فَالَّتِي تَنْفُذُ عَلَيْهِ فِي الْحَال صَحِيحَةٌ نَافِذَةٌ. وَأَمَّا تَصَرُّفَاتُهُ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْتِزَامَاتٌ مَالِيَّةٌ، كَالنِّكَاحِ وَالإِْقْرَارِ وَالْهِبَةِ. . إِلَخْ، فَإِنَّهَا تَقَعُ مَوْقُوفَةً عَلَى إِذْنِ السَّيِّدِ، سَوَاءٌ كَانَتْ قَوْلِيَّةً أَمْ فِعْلِيَّةً (٢) .

إِبَاقُ الْعَبْدِ مِنْ غَيْرِ مَالِكِهِ وَآخِذِهِ:

١٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ مِنَ الْمُسْتَعِيرِ أَوِ الْمُسْتَأْجِرِ أَوِ الْوَصِيِّ فَإِنَّهُ لاَ يَضْمَنُ إِلاَّ بِالتَّعَدِّي أَوِ التَّفْرِيطِ؛ لأَِنَّ يَدَ كُل وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلاَءِ يَدُ أَمَانَةٍ. (٣)

وَلَوْ أَبَقَ الْعَبْدُ مِنْ غَاصِبِهِ فَإِنَّ الْغَاصِبَ يَكُونُ ضَامِنًا، لِتَعَدِّيهِ، فَيَلْزَمُهُ قِيمَةُ الْعَبْدِ يَوْمَ غَصَبَهُ.

أَمَّا إِنْ أَبَقَ مِنْ مُرْتَهِنِهِ، فَإِنْ كَانَ بِتَعَدٍّ أَوْ تَفْرِيطٍ فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ إِجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ تَعَدٍّ وَلاَ تَفْرِيطٍ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ؛ لأَِنَّ الرَّهْنَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، خِلاَفًا لِلْحَنَفِيَّةِ، فَهُوَ مَضْمُونٌ

_________

(١) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٣ / ٣٢٦ بولاق. ويشيرون بالتقدير المذكور إلى قول ابن سعود " أقصى جعل الآبق أربعون درهما من كل رأس " أخرجه عبد الرزاق والطبراني والبيهقي (نصب الراية ٣ / ٤٧٠)

(٢) الفتاوى الهندية ١ / ٣٥٣، والشرح الصغير ٢ / ٥٤٣، ومغني المحتاج ٣ / ٢٧٩، والمغني لابن قدامة ٦ / ١٣٣.

(٣) جامع الفصولين ٢ / ١٥٦ ط الأولى، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ١٢٨، والمنهاج وشرح المغني ٢ / ٣٥١

عِنْدَهُمْ بِالأَْقَل مِنْ قِيمَتِهِ وَمِنَ الدَّيْنِ (١) .

نِكَاحُ زَوْجَةِ الآْبِقِ:

١٦ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ زَوْجَةَ الْعَبْدِ الآْبِقِ لاَ يَصِحُّ زَوَاجُهَا حَتَّى يَتَحَقَّقَ مَوْتُهُ أَوْ طَلاَقُهُ أَوْ يُحْكَمَ بِتَطْلِيقِهَا مِنْهُ لِلْغَيْبَةِ أَوْ لِعَدَمِ الإِْنْفَاقِ. وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ مَوْطِنُهُ أَحْكَامُ الْمَفْقُودِ وَالطَّلاَقِ (٢) .

إِبَاقُ الْعَبْدِ مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْل الْقِسْمَةِ:

١٧ - مِنَ الأُْصُول الْعَامَّةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بَيْنَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْغَنِيمَةَ قَبْل الْقِسْمَةِ أَمْوَالٌ عَامَّةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلاَ تَدْخُل فِي مِلْكِيَّةِ الْغَانِمِينَ إِلاَّ بَعْدَ الْقِسْمَةِ. وَعَلَى هَذَا فَلَوْ أَبَقَ عَبْدٌ مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْل الْقِسْمَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَبُ فِي مَظَانِّهِ وَيُبْحَثُ عَنْهُ، وَيُعْلَنُ عَنْ جُعْلٍ لِمَنْ يَرُدُّهُ يُصْرَفُ مِنْ بَيْتِ الْمَال أَوْ مِنَ الْغَنِيمَةِ نَفْسِهَا. فَإِذَا عَادَ الآْبِقُ تُجْرَى عَلَيْهِ الْقِسْمَةُ كَبَاقِي الأَْمْوَال (٣) .

ادِّعَاءُ مِلْكِيَّةِ الآْبِقِ وَمَتَى تَثْبُتُ.

١٨ - إِذَا جَاءَ مَنْ يَدَّعِي مِلْكِيَّةَ الآْبِقِ فَلاَ يَخْلُو الْحَال: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الآْبِقُ تَحْتَ يَدِ الْقَاضِي أَوْ تَحْتَ يَدِ مُلْتَقِطِهِ وَآخِذِهِ.

فَإِنْ كَانَ تَحْتَ يَدِ الْقَاضِي، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ يَرَوْنَ أَنَّ الْقَاضِيَ لاَ يُسَلِّمُهُ لِمُدَّعِيهِ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ قَاطِعَةٍ تَصِفُ الْعَبْدَ وَتُقَرِّرُ أَنَّهُ عَبْدٌ لِمُدَّعِيهِ وَلَمْ يَهَبْهُ وَلَمْ يَبِعْهُ، أَوْ لاَ يُعْلَمُ أَنَّهُ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ. فَإِنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ سَلَّمَهُ الْقَاضِي

_________

(١) جامع الفصولين ٢ / ١٦٢، والدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ١٢٨، والاختيار ٢ / ٦٤ ط مصطفى الحلبي، والمغني شرح المنهاج ٢ / ٢٧٦، والإقناع ٢ / ٣٤٥

(٢) الجوهرة النيرة ١ / ٤٦٥ ط الأولى، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٧٩، وحاشية الجمل على شرح المنهج ٤ / ٤٥٧ ط الميمنية، والمغني ٩ / ١٣٠

(٣) المغني لابن قدامة ١٠ / ٦

لِمُدَّعِيهِ (١) . وَزَادَ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ اسْتِحْلاَفَهُ.

أَمَّا إِذَا كَانَ الآْبِقُ فِي يَدِ مُلْتَقِطِهِ، فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَدْفَعُهُ إِلَى مُدَّعِيهِ إِلاَّ بِأَمْرِ الْقَاضِي (٢)

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يَدْفَعُهُ إِلَيْهِ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ (٣) . وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ جَوَازَ أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى مُدَّعِيهِ بِبَيِّنَةٍ يُقِيمُهَا الْمُدَّعِي، أَوِ اعْتِرَافِ الْعَبْدِ أَنَّهُ سَيِّدُهُ، لَكِنَّ الأَْحْوَطَ أَلاَّ يَدْفَعَهُ إِلاَّ بِأَمْرِ الْحَاكِمِ (٤) .

زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنِ الْعَبْدِ الآْبِقِ:

١٩ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ أَنْ يَدْفَعَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ عَبْدِهِ الآْبِقِ (٥) . وَهُوَ مَذْهَبُ عَطَاءٍ وَالثَّوْرِيِّ (٦) .

وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ تَجِبُ عَنِ الْعَبْدِ الآْبِقِ، عَلَى تَفْصِيلٍ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ، مَوْطِنُهُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ (٧) . وَأَوْجَبَهَا كَذَلِكَ أَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالزُّهْرِيُّ إِذَا عَلِمَ مَكَانَهُ، وَالأَْوْزَاعِيُّ إِنْ كَانَ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ. (٨)

عُقُوبَةُ الإِْبَاقِ:

٢٠ - تَقَدَّمَ الْكَلاَمُ فِي أَنَّ الإِْبَاقَ مُحَرَّمٌ شَرْعًا، وَعَدَّهُ بَعْضُهُمْ مِنَ الْكَبَائِرِ (ر: ف ٢)، وَبِمَا أَنَّهُ لاَ حَدَّ فِيهِ، يُعَزَّرُ فَاعِلُهُ، وَيَكُونُ التَّعْزِيرُ هُنَا مِنَ الْحَاكِمِ أَوِ السَّيِّدِ.

_________

(١) فتح القدير ٤ / ٤٣٤، ٤٣٥، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ١٢٧، والأم ٤ / ٦٧، المغني ٦ / ٣٥٧.

(٢) الأنقروية ١ / ٢٠٣

(٣) الدسوقي ٤ / ١٢٨

(٤) الأم ٤ / ٦٧، والمغني ٦ / ٣٥٧

(٥) حاشية ابن عابدين ٢ / ٧٥

(٦) المغني ٢ / ٦٧٢

(٧) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١ / ٥٠٧، والمجموع ٦ / ١١٣، والمغني ٢ / ٦٧٢

(٨) المغني ٢ / ٦٧٢

إِبَانَة

التَّعْرِيفُ

١ - الإِْبَانَةُ مَصْدَرُ أَبَانَ، وَمِنْ مَعَانِيهَا اللُّغَوِيَّةِ الإِْظْهَارُ وَالْفَصْل. وَقَال صَاحِبُ الْمُحْكَمِ: الْقَطْعُ إِبَانَةُ أَجْزَاءِ الْجِرْمِ. وَالإِْبَانَةُ بِمَعْنَى الْفَصْل، مُرَادِفَةٌ لِلتَّفْرِيقِ. (١) وَأَغْلَبُ تَنَاوُل الْفُقَهَاءِ لَهَا بِمَعْنَى الْفَصْل وَالْقَطْعِ. وَإِبَانَةُ الزَّوْجَةِ تَكُونُ بِالطَّلاَقِ الْبَائِنِ أَوِ الْخُلْعِ، وَحِينَئِذٍ تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، وَلاَ يَحِقُّ لِلزَّوْجِ مُرَاجَعَتُهَا إِلاَّ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ.

الْحُكْمُ الإِْجْمَالِيُّ:

٢ - مِنْ أَحْكَامِ الإِْبَانَةِ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ فِي الْجُمْلَةِ أَنَّ مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ - غَيْرَ الصُّوفِ وَالشَّعْرِ مِنْ الْمَأْكُول - فَهُوَ كَمَيْتَتِهِ، لِخَبَرِ: مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ (٢) .

_________

(١) المغرب، تاج العروس، المصباح (بين، وفرق)، وتهذيب الأسماء واللغات (قطع) .

(٢) البدائع ٥ / ٤٤ ط الجمالية، والدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ١٠٨ وما بعدها ط الحلبي، والبجيرمي على الخطيب ٤ / ٢٥٦، والمغني مع الشرح الكبير ١١ / ٥٣، ٥٤ ط الأولى، المنار. وحديث " ما أبين من حي فهو ميت) روي بعدة روايات، فقد رواه الحاكم عن أبي سعيد بلفظ: " ما قطع من حي فهو ميت " وفيه قصة، ذكر الدارقطني علته، ثم قال: والمرسل أصح. ورواه ابن ماجه وغيره باختلاف، وإسناده ضعيف (تلخيص الحبير ١ / ٢٨ - ٢٩ ط الفنية) واستدرك الذهبي على الحاكم في تصحيحه (فيض القدير ٥ / ٤٦١ ط الأولى التجارية) وهو من رواية (أبي داود ٣ / ١٤٨ ط الثانية التجارية) وفي إسناده ضعف. وقال الترمذي عقب روايته: هذا حديث حسن غريب. (تحفة الأحوذي ٥ / ٥٥ - ٥٦ ط الفجالة) .

وَمَا قُطِعَ بَعْدَ التَّذْكِيَةِ وَقَبْل الْمَوْتِ يَحِل تَنَاوُلُهُ، وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا فِي الْجُمْلَةِ. (١)

مَوَاطِنُ الْبَحْثِ:

٣ - الْكَلاَمُ فِي الإِْبَانَةِ ذُكِرَ فِي مَبْحَثِ النَّجَاسَةِ، وَفِي الْعَوْرَةِ (لَمْسُ الْعُضْوِ الْمُبَانِ وَالنَّظَرُ إِلَيْهِ) وَفِي الدَّفْنِ (٢)، وَفِي الطَّلاَقِ، وَالْخُلْعِ (٣)، وَفِي الْجِنَايَاتِ (الْجِنَايَةُ عَلَى الأَْطْرَافِ،) (٤) وَفِي اللِّعَانِ، وَفِي الذَّبَائِحِ (كَيْفِيَّةُ الذَّبْحِ)، وَفِي الصَّيْدِ (٥) .

ابْتِدَاع

انْظُرْ: بِدْعَةً.

_________

(١) البدائع ٥ / ٤٥ ط الجمالية، والدسوقي ٢ / ١٠٨ ط عيسى الحلبي، والشرواني على التحفة، ٩ / ٣٢٥ ط دار صادر، والمغني مع الشرح ١١ / ٥٣، ٥٤

(٢) القليوبي ٣ / ٢٠٨، ٢١١ ط مصطفى الحلبي، والبجيرمي على الخطيب ٤ / ٢٦٥

(٣) القليوبي ٤ / ٣٨

(٤) القليوبي ٤ / ١١٣

(٥) البدائع ٥ / ٤٤، ٤٥، الدسوقي ٢ / ١٠٨، ١٠٩